ومنها: أن يؤم في مسجد بحضرة رجل شريف فيطول الصلاة على الحاضرين ليلحق ذلك الرجل، فهذا مكروه أيضًا؛ لأنه ينفر الحاضرين ويُشَوِّشُ عليهم.
ومنها: أن يَحِس في صلاته بمجيء رجل يريد الاقتداء به، فله أحوال:
أحدها: أن يكون في الركوع، وهي مسألة الكتاب فهل ينتظر ليدرك الركوع؟ فيه قولان:
أصحهما -عند إمام الحرمين وآخرين-: أنه لا ينتظره؛ لمطلق قوله -صلى الله عليه وسلم-:"إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ بِقَوْمٍ فَلْيُخَفِّفْ"ولأن انتظاره يطول الصلاة على الحاضرين، والتطويل على الحاضرين لمسبوق وقد يكون مقصرًا بتخلفه لا وجه له [1] .
والثاني: ينتظره؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-:"كَانَ يَنْتَظِرُ فِي صَلاَتِهِ مَا سَمِعَ وَقَعَ نَعْلٍ"وهذا كما أنه ينتظر في صلاة الخوف ذهاب قوم ومجيء قوم لينالوا فضيلة الجماعة، ثم ذكر الأئمة للقولين شرطين:
أحدهما: أن يكون الرجل الجائي حين ينتظر داخل المسجد، أما لو كان بعد خارجه فلا ينتظر قولًا واحدًا.
والثاني: أن يقصد به الاحتساب والتقرب إلى الله تعالى، فأما لو قصد التودد إليه واستمالته فلا ينتظر قولًا واحدًا، ثم اختلفوا في أن القولين فيما إذا؟ على طرق قال معظم الأصحاب: ليس الخلاف في استحباب الانتظار، ولا في أنه لو انتظر هل تبطل صلاته أم لا؟ وإنما الاختلاف [2] في الكراهة، فأحد القولين: إنه يكره وبه قال أبو حنيفة، ومالك، واختاره المزني.
والثاني: لا يكره، وبه قال أحمد، وهو أصح القولين عند القاضي الروياني.
وقال بعض الأصحاب: القولان في أنه هل يستحب الانتظار، ويحكى هذا عن القاضي أبي الطيب، وقال آخرون: في المسألة قولان:
أحدهما: أنه يكره.
والثاني: أنه يستحب، وهذا ما أورده صاحب"المهذب"، وقال: الأصح الثاني، وهذه الطريقة كالمركبة من الطريقتين الآخريين، ثم إذا قلنا: لا ينتظر فلو فعل هل تبطل صلاته؟ منهم من قال: فيه قولان كما لو زاد في صلاة الخوف على انتظارين، وقطع المعظم بأنها لا تبطل، وركب في"الوسيط"من القول بالبطلان، ومما تقدم ثلاثة أقوال:
(1) أخرجه أحمد في المسند (4/ 356) وأبو داود (802) وفي إسناده مجهول، انظر خلاصة البدر المنير (1/ 187) .
(2) في"ب"الخلاف.