بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ" [1] ولما في إدراكها من الفضل صار أبو إسحاق المروزي إلى أن الساعي إلى الجماعة يسرع إذا خاف فواتها؛ لكن الصحيح عند الأكثرين أن لا يسرع بحال لقوله -صلى الله عليه وسلم-:"إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةَ فَلا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ" [2] ."
ثم بماذا يكون مدركًا للتكبيرة الأولى؟ فيه وجوه:
أظهرها: أن من شهد تكبيرة الإمام واشتغل عقيبها بعقد الصلاة كان مدركًا لفضيلة التكبيرة الأولى، وإلا لم يكن مدركًا لها؛ لأنه إذا أجرى التبكير في غيبته لم يسم مَدْرِكًا.
والثاني: أن تلك الفضيلة تدرك بإدراك الركوع الأول.
والثالث: أن إدراك الركوع لا يكفي، بل يشترط إدراك شيء من القيام أيضًا.
والرابع: إن شغله أمر دنيوي لم يكن بإدراك الركوع مدركًا للفضيلة، وإن منعه عذر واشتغال بأسباب الصلاة كالطهارة وغيرها كفاه إدراك الركوع.
قال الغزالي: وَمَهْمَا أَحَسَّ الإمَامُ بِدَاخِلٍ فَفِي اسْتِحْبَابِ الانْتِظَارِ لِيُدْرِكَ الدَّاخِلُ الرُّكُوعَ قَوْلاَنِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُطَوِّلَ وَلاَ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ.
قال الرافعي: مما يحتاج إلى معرفته في المسألة أن المستحب للإمام تخفيف الصلاة من غير ترك الأبعاض والهيئات، لما روي عن أنس -رضي الله عنه- قال:"مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَام قَطّ أَخَفَّ صَلاَةٍ وَلاَ أَتَمِّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" [3] .
فإن رضي القوم بالتطويل، وكانوا منحصرين لا يدخل عليهم غيرهم فلا بأس حينئذ بالتطويل، ثم قال الأئمة: انتظار الإمام في الصلاة وتطويله بها يفرض على وجوه:
منها: أن يصلي في مسجد سوق، أو محله، فيطول الصلاة ليلحق قوم آخر وتكثر الجماعة، فهذا مكروه لما فيه من سقوط الخشوع، وشغل القلب، ومخالفة قوله -صلى الله عليه وسلم-:"إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ فَليُخَفِّفْ" [4] .
(1) أخرجه الترمذي (241) وانظر التلخيص (1/ 27 - 28) .
(2) أخرجه البخاري (636) (908) ومسلم (602) .
(3) البخاري (708) ومسلم (469، 470، 473) .
(4) أخرجه مسلم (468) .