والثاني: لا يجوز؛ لأنه ملكه المسلمون فلا يُصالحهم على أنْ يجعلوا أملاك المسلمين بيعا وكنائس، هذا آخر كلامه، وهو صريح فيما ذكرناه، وإذا بان الصحيح في المذهب، كما ذكره الرافعي ومَن تبعه، والغزالي في الوجيز، وغيره أيضا، أنه لا يجوز تقرير كنيسة فيما فُتح عنوة، ظهر منه أن تقرير الكنائس في العراق على خلاف الصحيح عندهم، وكذلك في البصرة، فلا يُحتجُّ به علينا.
/ على أنّي أقول من نفس كلام الماوردي في البصرة: يمكن أنْ 19أيوجد فرق بينها، وبين ما نحن فيه، وذلك أنه جعل احتمال اتصال العمارة الحادثة، بما كان خارجا عنها، هو المسوغ للتقرير، واحتمال الاتصال هاهنا غير ممكن، لأنّ السور الذي بناه المعز مانع من ذلك، فلم يبق إلاّ احتمال الوجود في حالة الإنشاء، وأنه دام كما يدعيه بعض المعاندين، وقد ذكرنا أنّ ظاهر الحال يرده ويأباه، ولا كذلك احتمال اتصال العمارة في البصرة بما كان فيه البيَع ونحوها، فإنه لا ظاهر يخالفه، فجاز أنْ يوفر على احتمال مقتضاه، وبسْط ذلك أنَّا نقول: المستدل يزعم أنّ الأمر إذا جُهل كان الظاهر أنه بحق كما سلف تقريره، ونحن نُسلِّم له ذاك، ونقول: لكن تقدير إنشاء القاهرة والكنائس والبيَع حالة فيها خلاف الظاهر / كما أسلفناه أيضا، وحينئذ فقد19 ب تعارض في التقرير وعدمه فيها ظاهران على التقابل، والأصل عدم الوجود في الزمن الماضي، فاعتضد به أحد الظاهرين، وهو الذي يقتضي عدم التقرير، فقدم، ومثل هذا لا يجوز أنْ يقال في البصرة، بل الموجود فيها أصل من جانب، وظاهر من آخر، فعمل بالظاهر، ما هو أحد الرأيين كما تقدم، وهذا ما قدمت الوعد به عند ذكر الدليل الثالث.
فإن قلت لا نسلِّم أنّ الموجود فيما نحن فيه ظاهر مجرد، بل نقول معه أصل أيضا، وهو كون الأصل بقاء ما كان من غير تجدد، وحينئذ يكون قد وُجد في كل جانب أصل وظاهر، فلا ترجيح.