الصفحة 82 من 159

والظاهر أن محاولاته هذه كانت امتدادًا لتصور شافعي سالف حول الفرق الجوهري القائم بين منطق اللغة العربية ومنطق اليونانية، فقد أورد السيوطي على لسان الشافعي أن الاختلاف الذي حدث بين أبناء الأمة كان سببه ترك اللسان العربي والميل إلى لسان أرسطاليس. هذا، ولم ينزل القرآن ولا أتت السنة إلا على لسان العرب ومذهبهم في المحاورة والتخاطب والاحتجاج والاستدلال، لا على مصطلح اليونان، فلكل قوم لغة واصطلاح (1) .

وربما كان هناك من الوعي بالفرق الجوهري بين المنطقين، فمنطق اليونانية مهتم رأسًا بالصورة، في حين تمثل الفكرة والتعبير عنها قطب الرحى في التصور المنطقي العربي. ومن هنا، كانت جهود ابن حزم محاولة لبناء منطق خاص باللغة العربية، على هدي من خصائصها التي كشفت عنها النصوص من خلال تحديد اللغة العلمية التي تمتاز ألفاظها بالتجريد من شوائب التشخيص وآثار الانفعال، على حد تعبير التهانوي (2) .

ـ الخلاصة:

للغة علاقة وطيدة في النظرية الحزمية بالمنطق، الذي يبحث في كيفية وقوع الأسماء على مسمياتها (3) ، وهذا يعني دراسة التفكير الإنساني انطلاقًا من لغة معينة لها سماتها وطبيعتها في النظرة إلى التجربة الإنسانية تختلف عن غيرها، فاللغة ليست مجرد وسيلة لتبليغ الأفكار، فلا تتحدد هذه الأفكار وتظهر إلا بفضل اللغة، ومن ثمّ وجب القول إن ابن حزم يقف في مصافّ أنصار أسبقية الوجود اللغوي على الوجود الفكري (4) . وفي هذا السياق، فإن ابن حزم يرتكز على اللغة معيارًا أساسًا في تحديد الخطأ والصواب في فهم المعنى.

(1) - السيوطي، صون الكلام عن فن المنطق والكلام، ص 45.

(2) - التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، المقدمة.

(3) - ابن حزم، التقريب، ص 03.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت