الصفحة 151 من 159

5-يصر ابن حزم على وجوب وضوح المعنى في الكلمة والجملة والنص، غير أن المعنى الظاهر للكلمات - كما يعده هو وما يجب أن نفهمه نحن - ليس المعنى الذي تستقبله الأذن المشتتة غير المنتبهة، والتي تجعله بعيدًا عن الدقة قريبًا من الغموض، إنما المعنى المقصود هو المرتبط بالفهم العميق لمبدأ اللغة وسننها في الاستعمال، لذلك انشغل ابن حزم في مشروعه البياني بالوضوح اللغوي في سياق ضبط لغة علمية موحدة، يمكن الاستعانة بها بفهم علوم الملة والوقوف على دلالات النصوص الدينية، على أساس كونها نصوصا لغوية بالدرجة الأولى.

وفي هذا السياق، يقرر انتفاء كون اللغة كيانًا ملغزًا أو مبهمًا، مما يفضي بالضرورة إلى عد النص الديني غامضًا قابلًا للتأويل على طريقة أهل الباطن، وقد لخص هذه النظرة في قوله:"إن كلام الله تعالى واجب أن يحمل على ظاهره، ولا يحال عن ظاهره البتة إلا أن يأتي نص أو إجماع أو ضرورة حس على أن شيئًا منه ليس على ظاهره، وأنه قد نقل من ظاهره إلى معنى آخر، فالانقياد واجب علينا لما أوجبه ذلك النص"وعليه، سيكون القول بالمجاز منفيًا - من وجهة نظره - في اللغة، ما لم يرد عن أصحابها أنهم نقلوا هذا المعنى لذلك المسمى، والمجوز لذلك منقول عليهم هاتك لأستار الحقيقة التي بنيت عليها اللغة بل إن العمل بدلالات المجاز دعوة إلى الكذب، وهذه الصفة مجافية لمنطق البرهان وصدق القضايا.

ولابد أن يشار في هذا المضمار إلى أن الرجوع إلى ظاهر النص والأحكام إلى مبدأ موافقة الأسماء لمسمياتها ليس بالأمر الهين، إذ ليس الظاهر مجرد قشرة خارجية يمكن لمسها أو اقتلاعها، بل إنه يمثل حقيقة تركيب اللغة وأنساق بنيتها وانسجام دلالاتها، هذه الأخيرة التي نظر إليها ابن جزم على أنها المسؤول الرئيس على تفسير الفكر الإنساني، وسوء التحكم فيها إهدار لطاقة البناء الحضاري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت