خلاصة القول إنّ الأحكام الإلهية، بحكم مصدرها اليقيني، لا تحتاج إلى علة لتبرر وجودها، فالله فعال لما يريد، والكل خاضع لإرادته (1) .
-النصوص بين التعارض والتكامل:
إن من القضايا المتصلة بتفسير النص إمكان تعارض النصوص، وتقابل الأحكام الناتجة عن ذلك، وقد بين ابن حزم أنه لا تعارض بين شيء من نصوص القرآن، وكلام النبي (ص) وما نقل من أفعاله ؛ لأنه كان يصدر عن توجيهات إلهية مصدرها الوحي، ثم إن هذه النصوص المتباينة في موضوعاتها تشكل لحمة واحدة وبناءً متكاملًا، ينفي عن الكل النقصان وعن أجزائه التعارض المتوهم فما خوطب به الرسول (ص) ، يتبدى كلفظة واحدة وخبر واحد، موصول بعضه ببعض، ومضاف بعضه إلى بعض، ومبين بعضه على بعض (2) .
والعارف بلغة العرب التي نزل بها القرآن وأخبر بها الرسول (ص) يدرك أن بناء النصوص وتكاملها راجع إلى خصائص بيانية وأسلوبية بحتة، كالتخصيص، والاستثناء، والعطف، والشرط ؛ لذا يدعو ابن حزم في حالة ظهور مثل هذه التعارض المتوهم بين الحديثين، أو الآيتين، أو الآية والحديث إلى وجوب استعمال كل ذلك لانتفاء أولية أحدهما على الآخر ... (3) . ثم تبين أوجه الترابط بين النصوص التي اعتقد بعضهم وجود تعارض فيها، وفق ما يلي:
-الوجه الأول: ويكون على صور، هي:
-إما أن يكون أحدهما أقل معان من الآخر.
-وإما يكون أحدهما حاظرًا والآخر مبيحًا .
-وإما يكون أحدهما موجبًا والثاني نافيًا .
والمسلك الذي يجب اتباعه أن يستثنى معنى من معانٍ، مثل أمره عليه الصلاة والسلام بأن لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، وأذن للحائض أن تنفر قبل أن تودع (4) ، فوجب بذلك استثناء الحائض من جملة النافرين.
(2) - ابن حزم، الإحكام، 02 / 35 .
(3) - ابن حزم، الإحكام، 02 / 21.
(4) - ابن حزم، الإحكام، 02 / 22، 23 .