الصفحة 57 من 94

وهذا الحديث عن بعض مضامين شعر الجارم يقودنا إلى الحديث عن رؤيته الشعرية ولا نريد أن نقف طويلًا أمام مكوناتها وعناصرها فهي من الغنى والتنوع بحيث يقصر هذا البحث السريع عن الإحاطة حتى بمكوناتها الأساسية، وقد كُتِبَتْ دراساتٌ وأبحاثٌ عديدة حول هذا الجانب من جوانب شاعرية الجارم، وحسب البحث أن يشير إلى الخيوط الأساسية التي يتكون منها نسيج هذه الرؤية ليقف بعد ذلك أمام الوسائل التي وظَّفها الشاعر لتجسيد رؤيته، وطرائف التعبير الشعري المتنوعة التي اختارها، وذلك هو الجانب الأكثر أهمية في تجلية شاعرية أي شاعر.

لقد انشغل الجارم بكل القضايا والهموم التي يمكن أن ينشغل بها شاعر في مثل مكانته واعتزازه بهويته القومية ومرجعياتها العربية والإسلامية. ولقد أخذ البعض على الشاعر انشغاله بشعر المناسبات من ناحية، وبشعر المديح من ناحية أخرى. والحقيقة أن شعر المناسبات في ذاته لا يمكن أن يكون مأخذًا أو عيبًا فنيًّا إذا لم ينشغل الشاعر بتسجيل تفصيلات المناسبة وتكلف الحديث عنها، أما إذا اعتبر الشاعر المناسبة مجرد حافز لشاعريته ومنشط لها لتأملات شعرية تتجاوز آفاق المناسبة الآنيّة للتحليق في آفاق روحية وفكرية مترامية فإن المناسبة في مثل هذه الحالة تحسب للشاعر لا عليه، ولقد كان معظم شعر الجارم المرتبط بالمناسبات من هذا القبيل الذي ينطلق فيه الشاعر من آنيّة المناسبة ومحدوديتها إلى آفاق تأمل شعري لا محدودة.

وإذا أخذنا مثالًا لذلك ـ والأمثلة في ديوانه كثيرة ـ قصيدة قالها في مناسبة شديدة الآنية، وهي قصيدته التي قالها في الحفلة التي أقامتها جمعية رعاية المكفوفين لحض ذوي اليسار على التبرع للجمعية بما يمكنها من النهوض بأعبائها حيال هؤلاء المكفوفين، فإننا نجد الشاعر يتجاوز هذه المناسبة إلى التأمل في المعنى الحقيقي للعمي وهو فقدان البصيرة لا البصر، وهو الجهل، وهو العجز عن طرق أبواب العمل والرزق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت