الصفحة 43 من 94

كان علي الجارم لغويًّا جليلًا، ومربيًا فاضلًا، وكان روائيًّا وناثرًا من التراث الأول، ولكنه كان قبل كل شيء شاعرًا، منذ نعومة أظفاره عندما كان في الثالثة عشرة من عمره وما كان لاحتفال مثل هذا أن يخلو من بعض نماذج من شعره، وقد وقع الاختيار على قصيدة له في رثاء زميل له وعالم كبير من علماء دار العلوم كان وكيلًا لها وهو أبو الفتح الفقي، ويرجع الفضل في اختيار هذه القصيدة لأستاذنا الدكتور شوقي ضيف، وبالفعل فهي قصيدة من أروع قصائد الرثاء، غير أنها طويلة فرطة في الطول تبلغ نحو مئة بيتٍ أو تزيد، وما كان لنا أن نختصرها رغم ضيق الوقت، فهذه القصيدة تصور شاعرية علي الجارم ولا سيما في الرثاء. وأود أن أنبه إلى أن هذه القصيدة تشتمل إلى جوار رثاء أبي الفتح الفقي على جزء منها في رثاء ابنه البِكْر وكان قد فقده قبل أبي الفتح بشهور قليلة. من ناحية أخرى أحب أن أنوه هنا أننا في إلقاء هذه القصيدة نحاول أن نقترب من ذلك الإلقاء الرائع الذي كان يميز علي الجارم. والآن إلى حضراتكم القصيدة:

مَلَكَ المُصَابُ عَلَيْهِ كُلَّ جِهاتِهِ ... إِنْ كانَ مِن صَبْرٍ لَدَيْكَ فَهاتِهِ!

أسْوانُ تَعْرِفُهُ إِذا اخْتَلَطَ الدُّجَى ... بِالنَّبْرَةِ السَّوْدَاءِ في أَنَّاتِهِ؟ (1)

يَبْكِى وَيَنْظُرُ في السَّمَاءِ مُصَعِّدًا ... مَا يَبْتَغِي الْحَيْرانُ مِنْ نَظَرَاتِهِ؟ (2) 2)

خَفَقَانُ نَجْمِ الأُفْقِ مِنْ خَفَقَانِهِ ... وَهَجِيرُ قَيْظِ البِيدِ مِنْ زَفَرَاتِه!

وبُكاءُ كُلِّ غَمَامَةٍ هَتَّانَةٍ ... مِنْ بَعْضِ مَا يُبْدِيهِ مِنْ عَبَرَاتِهِ

وَنُوَاحُ ذَاتِ الطَّوقِ فىِ أعْوَادِهَا ... ما تُرْسِلُ الأَقْلاَمُ مِنْ نَفَثَاتِهِ

(1) الأسوان: الحزين. الدجى: الظلام. النبرة: الصوت. النبرة السوداء: صوته الحزين.

(2) مصعدًا: أى متردد النظرات لا يكاد يستقر بصره في بقعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت