الصفحة 370 من 729

سلك أهل العلم في توجيه التبعيض في قوله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } وما يستفاد منه ، من أن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتصر على فرقة من هذه الأمة لا كلها ، مسلك الجمع ، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:

الوجه الأول: أن المقصود من التبعيض في الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهم أهل العلم الذين يعرفون كون ما يأمرون به معروفًا ، وما ينهون عنه منكرًا ، وهذا لا يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجب على كل فرد من هذه الأمة بحسبه ، بل إن بقية أفراد الأمة المكلفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تابعون لتلك الفرقة مقتدون بهم في ذلك [1] .

قال ابن عطية:"قال الضحاك والطبري وغيرهما أمر المؤمنون أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة ... فعلى هذا القول (من) للتبعيض ، وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ، ويحفظون قوانينها على الكمال ، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك ، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع ، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالمًا" [2] .

ويدل لذلك أن الله قرن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، بالدعوة إلى الخير والإيمان ، والدعاة إلى الإيمان ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون إليه ، وليس الخلق كلهم علماء [3] .

(1) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/91، إرشاد العقل السليم لأبي السعود 2/13، تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص 142.

(2) المحرر الوجيز 1/485.

(3) انظر: معاني القرآن للزجاج 1/452، الكشاف للزمخشري 1/406، التفسير الكبير للرازي 3/314 ، 315. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4/165، البحر المحيط لأبي حيان 3/32، أنوار التنزيل للبيضاوي 1/285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت