يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {التوبة:91} ونحوها من الآيات، وشيخ الإسلام يرى إلّا حاجة للقول بنسخ هذه الآيات ما دام أنه من المتقرر من نصوص الشرع أن الحرج مرفوع عن العاجز، فلتكن هذه الآيات في حق كل عاجز قبل الهجرة وبعدها على سبيل الرخصة لا الإلزام، ولا نعلم بين شيخ الإسلام أو أحد من فقهاء الإسلام خلافًا في أنَّ الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة وأنه لا يخلو منه زمان ولا نعلم إمامًا متبوعًا قال بوجوب كفِّ الأيدي عن العدو الصائل بحجة الضعف أو عدم وجود الإمام أو الدار. بل إن شيخ الإسلام يذكر في موضع نسخ هذه الآية، يقول -رحمه الله-:"أمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم عنهم" (الجواب الصحيح) .
ويمكن أن يحمل كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- على جهاد الطلب لا الدفع ويؤكد هذا قوله:"وحيث ما حصل القوة و العز خوطبنا بقوله: {جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ} "وهي في جهاد الطلب والله أعلم.
وهل يجوز لقائل أن ينادي في صف المسلمين بعد أن التحموا بأعداء الله وحمي الوطيس: كفوا أيديكم؟!!
ألم تسمعوا قوله عزّ وجل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} {الأنفال:15 - 16} وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {الأنفال:45} .
وهنا نكتة مهمة وهي أنَّ المسلمين قبل الهجرة لم يكونوا عاجزين عجزًا تامًا عن قتال الكفّار، بل كانوا يتمنون القتال وكان فيهم الأسود الأبطال أمثال عمر وحمزة رضي الله عنهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما،: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، قال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم» ، فلما حوله الله إلى المدينة، أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} الاَية {النساء:77} ، وعن السدي: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ