الصفحة 19 من 146

السادس: ليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن الجهاد يسقط في حال دون حال، ولا يجب على أحد دون أحد، إلا ما استثنى في سورة براءة. وتأمل قوله: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} {الحج:40} ، وقوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا} الآية {المائدة:56} ؛ وكل يفيد العموم بلا تخصيص. فأين تذهب عقولكم عن هذا القرآن؟

وقد عرفت مما تقدم: أن خطاب الله تعالى يتعلق بكل مكلف، من الأولين والآخرين، وأن في القرآن خطابًا ببعض الشرائع، خرج مخرج الخصوص وأريد به العموم، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ} {التوبة:73} ". (انتهى بتصرف واختصار من الدرر السنية) "

وهنا أمرٌ مهم يحسن التنبيه عليه وهو أن وصف الدار بالكفر لظهور سلطان الكفر فيها لا يعني بحال تكفير أهلها المسلمين المستضعفين، ما دامت حقيقة الإسلام فيهم قائمة كما بين ذلك شيخ الإسلام في فتواه في أهل ماردين، ولا يزيل هذا الوصف ملك المسلمين لتلك الديار، فهي دارهم اغتصبها عدوهم ووجب عليها استردادها ما اسطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وما زال أهل العلم يسمون البلاد التي استولى عليها الكفرة الفجرة (بلاد المسلمين) باعتبار ملك المسلمين لها، و (دار كفر ودار حرب) باعتبار الشرعة التي تحكمها والأحكام الشرعية المترتبة على ذلك من جهاد وهجرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

"استولت النصارى في دولتهم -أي الفاطميين- على أكثر الشام، ثم قيض الله من ملوك السنة مثل نور الدين وصلاح الدين وإخوته وأتباعهم ففتحوا بلاد الإسلام، وجاهدوا الكفار والمنافقين"، وكقول الشيخ الإمام أبي مصعب -رحمه الله- في سياق تقريره لوجوب جهاد الدفع على المسلمين في هذا العصر:"ونصوصُ العلماء في تقرير الفرضية العينية للجهاد في حالة نزول العدو ببلد من بلدان المسلمين كثيرةٌ جدًا يصدق بعضها بعضًا، لا يختلف علماء الإسلام المحققون في هذا." (القتال قدر الطائفة المنصورة) ، والشيخ -رحمه الله- يسمي الديار -كحال جمهور علماء السنة- التي تحكمها أنظمة الردة ديار كفر.

كما أن الإذن بترك القتال للضعيف والعاجز في مثل تلك البلاد لا يعني تحريمه عليهم، بل من أخذ بالعزيمة وقاتل ولو لوحده فقد أحسن وأجاد، وما نصوص الانغماس في العدو عن هذا الموضوع ببعيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت