الصفحة 12 من 146

إن الزعم بأن جهاد الدفع ما شرع إلا دفاعًا عن الدار المسلمة من أعظم الكذب والافتراء على دين الله، ومن أعظم الجهل بمقاصد الشرع الحكيم، وقائله لا يجد له شبه دليل، وهذه نصوص الكتاب والسنة تحكم بيننا:

النص الأول:

يقول تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} {الحج:39} وهذه أول آية تأذن للمؤمنين بالجهاد، وتبين سبب ذلك بأنهم يقاتلون من أهل الكفر ظلمًا وعدوانًا (عدوٌ صائلٌ على النفس والدين) ، ولعل قائلًا يقول بأنَّ الآية ما نزلت إلا لما قامت دار الإسلام، فأقول ولكن لفظ الآية عامٌ في كل من قوتل ظلمًا، والآية التي تليها تزيد هذا بيانًا؛ {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} {الحج:40} ، فالعدو أخرجهم من بيوتهم وبيوتهم كانت في مكة (دار الكفر آنذاك!) فعدَّ الله ذلك ظلمًا عظيمًا يجب دفعه ثم ذكر نوعًا آخر من الظلم الموجب لمثل هذا النوع من الجهاد وهو هدم المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا.

ثم أوجب الله الجهاد على المسلمين طلبًا ودفعًا، فكان الأول واجبًا وجوبًا كفائيًا وكان الثاني واجبًا وجوبًا عينيًا، يقول تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} {البقرة:216} .

وإني لأعجب ممن يفرق بين جهاد العدو الصائل على دار الإسلام، وبين العدو الصائل على أهل الإسلام؟؟

وهل شرع هذا الجهاد من أجل حماية الدار أم أهل الدار (دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم) ؟

إن كان الجواب أن الجهاد شرع حماية للدار المسلمة لأنّ في ذلك ذبًا عن دين الله الحاكم فيها، فأقول فهو مشروع ذبًا عن دين الله الذي يدين به أهل الإسلام الذّين إن تمكن منهم أهل الكفر فتنوهم عن دينهم، يقول شيخ الاسلام في"السياسة الشرعية":

"أما إذا أرادوا الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم كما الله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم، وسواء أكان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن. وهذا يجب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت