المؤنة فلما صارت الأرض نامية أشبه تعجيل زكاة السائمة والإبل العلوفة ثم أسامها.
وكذلك سبب الخراج إلا أن النماء معتبر في الخراج تقديرا لا تحقيقا بالتمكن به من الزراعة فصار مؤنة باعتبار الأصل وعقوبة باعتبار الوصف; لأن الزراعة عمارة الدنيا, وإعراض عن الجهاد فكان سببا لضرب من المذلة ولذلك لم
ـــــــ
قلنا في النصاب الواحد بتكرر الحول والرأس الواحد بتجدد الفطر, ولا يتكرر الخراج في سنة واحدة; لأن النماء التقديري غير متكرر. ولم يجز التعجيل أي تعجيل العشر قبل الخارج; لأن الخارج لما جعل بمعنى السبب لوصف العبادة في العشر كان التعجيل قبل الخارج مفوتا لمعنى العبادة عنه, ومبطلا له لاستحالة حصول المسبب قبل السبب, وإذا بطل معنى العبادة عنه بقي مؤنة خالصة متعلقة بالأرض وحدها, وهذا تغيير له فلا يجوز فصار تعجيل العشر قبل الخارج كتعجيل الزكاة في الإبل الحوامل والعلوفة قبل الإسامة بخلاف الخراج فإن تعجيله يجوز; لأنه مؤنة محضة, ولا يؤدي التعجيل فيه إلى تغيير كما يجوز تعجيل الزكاة بعد ملك النصاب النامي; لأنه لا يؤدي إلى التغيير.
قوله"وكذلك سبب الخراج"أي, وكما أن سبب العشر الأرض فإن سبب الخراج الأرض النامية أيضا لكن النماء معتبر في الخراج تقديرا لا تحقيقا بالتمكن من الزراعة لما قلنا إن الواجب من غير جنس الخارج فلم يتعلق بحقيقة الخارج وعلق بالتمكن من الزراعة لئلا يتعطل حق المقاتلة. فصار مؤنة باعتبار الأصل أي باعتبار تعلقه بأصل الأرض كما بينا في العشر, وعقوبة باعتبار الوصف, وهو التمكن من طلب النماء بالزراعة; لأن الاشتغال بالزراعة عمارة الدنيا, وإعراض عن الجهاد فيصلح سببا للمذلة التي هي نوع عقوبة; لأن عمارة الأرض من صنيع الكفار وعادتهم, وقد ذمهم الله تعالى بذلك في قوله عز اسمه: {وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} "الروم: 9". وقال عليه السلام:"إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ذللتم وظهر عليكم عدوكم1":"ورأى النبي عليه السلام شيئا من آلات الزراعة في بيت فقال"ما دخل هذا بيت قوم إلا ذلوا"ولهذا كان أصل الخراج على الكافر حيث لم يقبل الإسلام واشتغل بعمارة الدنيا فوضع عليهم الخراج لضرب من المذلة كما وضعت الجزية على رءوسهم لذلك, والخراج في الأراضي أصل; لأنه كان موجودا قبل الإسلام إلا أن الشرع نقل عنه إلى العشر في حق المسلم, وأوجب الصرف إلى مصارف الزكاة ليتصل به نوع عبادة تكرمة للمسلمين; ولهذا ل يبتدأ الخراج على المسلم; لأن فيه نوع صغار, ومذلة وجاز البقاء باعتبار المؤنة. ولا يقال بأن وجود الخارج لا"
ـــــــ
1 أخرجه أبو داود فلي البيوع حديث رقم 3462 والإمام أحمد في المسند 2/84.