فقد أخطأ في رفعه عن منزلته ووضع الأعلى عن منزلته, وإنما الطريق المستقيم ما قلنا وكذلك السعي في الحج والعمرة وما أشبه ذلك وكذلك تأخير المغرب إلى العشاء بالمزدلفة واجب ثبت بخبر الواحد, وإذا صلى في الطريق أمر بالإعادة
ـــــــ
السعي فاسعوا". ولقوله عليه السلام:"ما أتم الله لامرئ حجة, ولا عمرة لا يطوف لها بين الصفا والمروة". إلا أنا تمسكنا في ذلك بقوله تعالى {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} "البقرة: 158"., ومثل هذا اللفظ يوجب الإباحة لا الإيجاب إلا أنا تركنا ظاهره في حكم الإيجاب بدليل الإجماع فبقي ما وراءه على ظاهره وعملنا بخبر الواحد في إثبات الإيجاب دون الركنية على ما بينا. وإن قرأت والعمرة بالرفع فمعناه, وكذا العمرة واجبة, وليست بفريضة. وقال الشافعي رحمه الله هي فريضة مثل الحج لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"العمرة فريضة كفريضة الحج1". وعندنا لما ضعف الدليل عن إثبات الفرضية لكونه خبرا لواحد ثبت به الوجوب. وما أشبه ذلك أي المذكور مثل صدقة الفطر والأضحية وقراءة التشهد والصلاة على النبي; لأن هذه الأشياء لما ثبتت بأخبار الآحاد كانت من الواجبات لا من الأركان. ولا يلزم القعدة الأخيرة; لأنها تثبت باتفاق الآثار إنه عليه السلام ما سلم إلا بعد القعدة الأخيرة كذا في الأسرار.; ولأن الخبر الموجب لها التحق بيانا بمجمل الكتاب على ما عرف."
قوله"وكذلك تأخير المغرب"أي مثل وجوب ما ذكرنا من الأحكام تأخير المغرب إلى العشاء بالمزدلفة ليلة النحر حيث أفاض الناس من عرفات واجب ثبت بخبر الواحد, وهو ما روي أن أسامة بن زيد رضي الله عنه كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق إلى المزدلفة فقال الصلاة يا رسول الله. فقال:"الصلاة أمامك2". ومراده من هذا اللفظ إما الوقت أو المكان; لأن الصلاة فعل المصلي, وفعله لا يتصور أمامه فثبت أن التأخير واجب. فإذا صلى المغرب بعرفات أو في الطريق بعد غيبوبة الشمس أو بعد غيبوبة الشفق يؤمر بالإعادة عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف رحمهم الله لا يجب الإعادة, وكان مسيئا; لأنه أداها في وقتها الثابت بالكتاب أو السنة المتواترة إلا أن التأخير سنة فيكون مسيئا بتركه. ولهما أن وقت المغرب في هذا الوقت وقت العشاء, ومكان الأداء مزدلفة بالحديث فإذا أداها قبل وقتها أو في غير مكانها وجب عليه الإعادة عملا بالسنة كما في
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في الحج حديث رقم 1277 وابن ماجة في المناسك حديث رقم 2986
2 أخرجه مسلم في الحج حديث رقم 1280 وأبو داود في المناسك حديث رقم 1925 وابن ماجة في المناسك حديث رقم 3019 ولإمام أحمد في المسند 5/200