العبارة الأخرى فسمى الأداء قضاء; لأن القضاء لفظ متسع وقد يستعمل الأداء
ـــــــ
ناقصا لا فاسدا بأن ترك مثلا في الصلاة شيئا يجب بتركه سجدة السهو فلا تكون داخلة في هذا التقسيم; لأنه تقسيم الواجب بالأمر, وهي ليست بواجبة; ولهذا وقع الفعل الأول عن الواجب دون الثاني والثاني بمنزلة الخبر بسجود السهو, وهذا بناء على أن المأمور إذا أتى بالمأمور به على وجه الكراهة أو الحرمة يخرج عن العهدة على القول الأصح كالحاج إذا طاف محدثا خلافا لهم.
واعلم أيضا أنهم اتفقوا على أن وجوب الفعل إذا تقرر ولم يفعل في وقته المقدر وفعل بعده أنه يكون قضاء حقيقة سواء تركه في وقته عمدا أو سهوا ولكنهم اختلفوا فيما انعقد بسبب وجوبه وتأخر وجوب أدائه لمانع سواء كان المكلف قادرا على الإتيان به كالصوم في حق المريض والمسافر أو غير قادر عليه إما شرعا كالصوم في حق الحائض وإما عقلا كالصلاة في حق النائم والمغمى عليه, فقال بعض أصحاب الحديث: إنه يسمى قضاء مجازا, وهو في الحقيقة فرض مبتدأ; لأن القضاء الحقيقي مبني على وجوب الأداء, وهو ساقط عن هؤلاء بالاتفاق وكيف يقال بوجوب أداء الصوم على الحائض ولا سبيل لها إلى الأداء ولا إلى إزالة المانع من الأداء بخلاف الحدث فإنه يمكن إزالته, وكذلك المغمى عليه والنائم لكنه سمي قضاء مجازا; لأن من شرط هذا الفرض فوات الأول فلفوات إيجابه في الوقت سمي قضاء, وقال عامة الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي إنه قضاء حقيقة; لأن حقيقته ما فعل بعد وقت الأداء استدراكا لمصلحة ما انعقد سبب وجوبه وقد انعقد في حق هؤلاء فيكون هذا حقيقة. والدليل عليه أنه يجب عليهم نية قضاء الفائت بالإجماع, ولو كان فرضا مبتدأ لما وجبت وليس من شرطه وجوب الأداء حقيقة بل تصور ذلك كاف; وإن كان بعيدا كتصور وجوب الطهارة بالماء في موضع لا ماء فيه لصحة نقل الحكم إلى التراب وقد تصور زوال هذه الأعذار في الوقت وإيجاب الأداء بعده فيكون هذا القدر كافيا في نقل الحكم إلى القضاء بشرط أن لا يكون مؤديا إلى الحرج, وهذا كالمحدث إذا ضاق به وقت الصلاة لا يتأتى له الأداء ووجوب الأداء يلاقيه وكذلك من لا يجد ماء ولا ترابا نظيفا لا يتصور منه الأداء ولا التسبيب إليه, ومع ذلك صح الوجوب عليه والسكران يلاقيه وجوب الصلاة وهو ممنوع من أدائها, وذكر في الميزان في هذه المسألة, وليس من شرط القضاء وجوب الأداء في حق من عليه ولكن الشرط وجوب الأداء في الجملة لعموم دليله وفواته عن الوقت في حقه مع إدراك وقت القضاء وانتفاء الحرج عنه على ما عرف من مسألة المجنون والله أعلم.
قوله:"فسمي الأداء قضاء"كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}