لما كان أهلا لأدائه ووجوب حكمه ولم يجعل مخاطبا بالشرائع بشرط تقديم الإيمان لأنه رأس أسباب أهلية أحكام نعيم الآخرة فلم يصلح أن يجعل شرطا
ـــــــ
فأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا فمذهب العراقيين من أصحابنا أن الخطاب يتناول وأن الأداء واجب عليهم وهو مذهب الشافعي وعامة أصحاب الحديث. وقال عامة مشايخ ديارنا أنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات وإليه مال القاضي الإمام أبو زيد والشيخان وهو المختار وفائدة الخلاف لا تظهر في أحكام الدنيا فإنهم لو أدوها في حال الكفر لا تكون معتبرة بالاتفاق ولو أسلموا لا يجب عليهم قضاء العبادات الفائتة بالإجماع وإنما تظهر في حق أحكام الآخرة فإن عند الفريق الأول يعاقب الكفار بترك العبادات زيادة على عقوبة الكفر كما يعاقبون بترك الاعتقاد وعند الفريق الثاني لا يعاقبون بترك العبادات. كذا في الميزان تمسك الفريق الأول بقوله تعالى إخبارا عن مسألة أهل الجنة إياهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 42, 43] الآيات فظاهر هذا النص يقتضي أنهم يعاقبون في الآخرة على الامتناع من الأداء في الدنيا فدل أن الأداء واجب عليهم فيها وبقوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6, 7] أخبر بالويل لهم بعدم إيتاء الزكاة فدل على وجوبها عليهم وبأن سبب الوجوب متقرر وصلاحية الذمة للوجوب موجودة وشرط وجوب الأداء وهو التمكن منه غير معدوم في حقهم لتمكنهم من الأداء بشرط تقديم الإيمان كالجنب والمحدث يخاطبان بأداء الصلاة لتمكنهما من أدائها بتقديم الطهارة عليه فلو سقط الخطاب بالأداء بعد كان ذلك تخفيفا بسبب الكفر وهو لا يصلح سببا للتخفيف لأنه جناية ألا ترى أن زوال التمكن بسبب السكر وبسبب الجهل إذا كان عن تقصير منه لا يسقط الخطاب بالأداء فبسبب الكفر الذي هو رأس الجنايات أولى وإنما لا يجب القضاء بعد الإسلام لأن الكافر إذا أسلم سقطت الواجبات عنه بعد الوجوب بعفو صاحب الحق بقوله تعالى: {إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] . وقوله عليه السلام:"الإسلام يجب ما قبله"1 لا أنها لم تجب فإذا مات على الكفر لم يوجد المسقط فيعاقب على تركها في الآخرة وليس حكم الوجوب وفائدته الأداء لا غير فإن الإيمان واجب على كافر قد علم الله تعالى منه أنه يموت على الكفر, وكذا الصلاة واجبة على مسلم علم الله تعالى منه أنه لا يصلي هذه الصلاة ولا يتصور منهما الأداء لأن خلاف معلوم الله تعالى محال ولكنهما وجبا لفائدة توجه العذاب في الآخرة فكذا هاهنا ووجه القول المختار ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له:"ادعهم إلى شهادة أن لا"
ـــــــ
1 أخرجه الإمام أحمد في المسند 4/199.