ويتبين لنا مما سبق أيضًا أن هناك تخبط في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، فحتى الآن لا يوجد قرار أمريكي مجمع عليه، يعطي من خلاله التفويض لجهة معينة تتعامل مع المنطقة فيما بعد حرب العراق، فوزير الدفاع الأمريكي يزور المنطقة ويطلق الاتهامات هنا وهناك، ويهدد باتخاذ قرارات المقاطعة والحصار وهي قرارات رئاسية عبر الخارجية، وليست من صلاحيات وزير الدفاع، ثم يعين وزير الدفاع الحكومة المدنية في العراق دون الرجوع للخارجية وهذا حسب نظام الحرب أن الخارجية تتولى إدارة المناطق التي تحت سيطرة قوات الاحتلال، ثم حصل تغيير في الإدارة في العراق، وقبلها حصل التخبط في شأن إدارة أفغانستان، ونستطيع أن نقول بأن التخبط الأمريكي الظاهر على عدم تحديد صلاحيات وزارة الخارجية والدفاع، سيقود المنطقة إلى اضطراب عظيم، مماثل للذي يحصل في العراق وأفغانستان وهو نموذج حي وقريب، فلا سلطة تسيطر على المنطقة والقوات الأمريكية عاجزة عن استيعاب الحدث فضلًا عن إدارة الأمور، ولو تم تحديد الصلاحيات لكل وزارة فإن التاريخ يشهد بأن أمريكا ما دخلت في قضية وأوصلتها إلى حل، بل إنها لا تزيد القضايا إلا تعقيدًا واضطرابًا، فقضية البلقان والكوريتين وأفغانستان والعراق وقبلها الصومال والسودان وغيرها من القضايا كلها شاهدة على فشل السياسة الأمريكية، فهي سياسة احتلال ونهب للثروات وتسلط وسيطرة بالقوة وغطرسة فقط لا غير.
يؤكد ذلك ما قاله وزير الدفاع اليوناني (يانوس بابا نطونيو) الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في مقابلة تلفزيونية أجرته معه قناة (ميغا) الخاصة الليونانية يوم الاثنين 11/ 3/1423هـ قال: (إن الخطر الأول بعد الحرب على العراق يمكن أن يكون(موجة الغطرسة الأمريكية الجديدة) وقال: إن الخطر يتمثل في أن يؤدي الانتصار الأمريكي في العراق إلى موجة غطرسة جديدة مع تدخلات أحادية جديدة ضد سلسلة من الدول، وقال بأن هذا هو الخطر الأول إذا لم تكن هناك رقابة دولية على هذه التدخلات فقد يقود الأمر العالم إلى الفوضى وشريعة الغاب).
وأكد (بطرس غالي) الأمين العام للأمم المتحدة السابق هذا الأمر بقوله (إن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق تخرج عن نطاق الشرعية الدولية وتمثل هدية للأصوليين، وحذر من منطق الحرب الاستباقية التي تضمنتها عقيدة بوش قائلًا: إنها يمكن أن تتسبب في إشعال عشرات الحروب خلال السنوات المقبلة، واستبعد غالي تشكيل نظام دولي جديد إثر انتهاء الحرب على العراق، قائلًا: إن حدوث ذلك يتطلب إجماعًا دوليًا وما يحدث حاليًا ليس مبنيًا على إجماع، وأعرب غالي عن تشاؤمه إزاء الوحدة العربية في السنوات القليلة المقبلة مؤكدًا أن تحقيق ذلك شرطه وجود جيل جديد يؤمن بالوحدة العربية، أما الجيل الحالي فهو غير مقتنع بأهمية الوحدة، وقال بأن الدول الكبرى لم تعد في حاجة إلى الأمم المتحدة، إذ أن لديها جهازًا دبلوماسيًا قويًا وشركات كبرى مسيطرة، لكن العالم الثالث في أشد الحاجة إلى المنظمة باعتبارها منبرًا تستطيع من خلاله التعبير عن أحلامها وآمالها) .