ولن نعلق على هذه المقتطفات فهي تعلق على نفسها، وخطرها ظاهر ولا يحتاج إلى تعليق، ولكن كل ما فيها من عبارات ضخمة كالحرية والديمقراطية والنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل وغيرها قد تخدع المغفلين، فهذه المفاهيم لن تطبق في المنطقة على الإطلاق بل إنها ستطبع بما ينفع المحتل، ويهدم الدين فقط، فمثلًا الديمقراطية الأمريكية التي ستفرض على المنطقة ليست هي التداول الحر للسلطة بمشاركة الجميع، كما هي في طرحها النظري، ولكنها ديمقراطية بالأسلوب الدكتاتوري الأمريكي تناسب المنطقة، لأن شعوب المنطقة لو أتيح لها اختيار السلطة بشكل حر، فلن تختار غير الإسلاميين كما حصل في الجزائر، وهذا ما يرفضه الأمريكان، فحينما تزعم أمريكا أن ديمقراطيتها تقوم على تنفيذ المطالب الشعبية، فهي كاذبة، لأن غالبية الشعب الأفغاني والعراقي ينادي اليوم بخروج القوات الأمريكية، وقبل ذلك كل شعوب العالم بما فيها الشعب الأمريكي رافض للغزو الأمريكي للعراق غير المبرر، فأين الديمقراطية؟ إنها ديمقراطية أمريكية تناسب أهدافها الاستعمارية، وفي مثال بسيط عرضته صحيفة (الغارديان) البريطانية في افتتاحيتها تحت عنوان (الخلفاء الجدد) قالت: (يا للسخرية والعار، لأنه بعد سنوات من الاحتجاج على عرقلة صدام حسين عمليات التفتيش، فإن الولايات المتحدة تعارض بنفسها الآن عملية التفتيش) ، جاء هذا الكلام من الصحيفة بعد أن رفضت أمريكا عودة المفتشين إلى العراق بعد سقوط نظام صدام للتأكد من وجود أسلحة دمار شامل كما زعمت أمريكا، فبالأمس تشن أمريكا حربها عام 1418هـ على العراق بسبب طرد المفتشين لأنه خرق لقرار مجلس الأمن، واليوم أمريكا نفسها تخرق قرار مجلس الأمن وتمنع المفتشين دون حياء، وبالأمس تفرض أمريكا على مجلس الأمن إصدار قرار الحضر على العراق بكافة أشكاله، واليوم ترفع الحضر بنفسها دون الرجوع لمجلس الأمن، فهذا تلاعب وسخرية بالعالم، ولكن كما قلنا في مقدمة حديثنا بأن السمة الرئيسة اليوم للسياسة الدولية هي الخداع والكذب والمراوغة وتزوير الحقائق أو إنكارها، فلا عهود ولا مواثيق تحترم فالمصلحة هي فوق كل شيء، ولا يمكن لأمريكا أن تنادي بشيء أو تطبقه مما ينفع المنطقة أو يقوي دولها في أي مجال.
وعلى هذا يمكن معرفة وجه السياسة الأمريكية التي تسعى لتطبيقها في المنطقة عبر مشروع الشراكة، ويمكن معرفة الثقافة الأمريكية المطلوبة، ويمكن معرفة الحرية الأمريكية أيضًا، إذا أمريكا ليست تفكر بمشروع واحد تجاه المنطقة وهو مشروع إسرائيل وأمنها وفرضها وإقامتها، ولكنها تفكر بمسخ المنطقة من جميع جوانبها، بالأسلوب الذي تريده، ولو اضطرها الأمر إلى تغيير القيادات في المنطقة وهي ستفعل.
عزم أمريكا على تغيير قيادات المنطقة أو نظام الحكم:
يقول (جيمس وولسي) الرئيس السابق لجهاز الـ (سي آي إيه) في عهد كلنتون، على مبارك وآل سعود أن يشعروا بالقلق، وكان هذا الكلام في معرض حديث له عن أن هذه الحرب التي حصلت في العراق هي تعتبر المعركة الأولى في الحرب العالمية الرابعة الهادفة لتغيير الشرق الأوسط، وكان كلامه هذا ضمن حديث أدلى به يوم الخميس 1/ 2/1424هـ أمام طلاب جامعيين في لوس أنجلوس حيث قال: (بأن الولايات المتحدة الآن تخوض حربًا عالمية رابعة، وأن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط لابد أن يجعل دولًا مثل مصر والسعودية تشعر بالقلق، وحذر وولسي في خطابه هذا، الرئيس المصري حسني مبارك والأسرة المالكة السعودية من أن الديمقراطية وفق الأسلوب الأمريكي آتية في الطريق) .