فهرس الكتاب

الصفحة 710 من 743

وقد قال النّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يُسلمه ولا يظلمه ولا يخذله"; فهو من مقتضيَاتِ الأُخوَّة الثَّابتة لكل مسلم.

والله جعل حال المستضعفين موجبةً للجهاد، فقال: (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ .. ) في غير موضع، وحرَّض الله المؤمنين بتذكيرهم بالذين (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) ، و (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) ؛ فهو الحكم المحكم العامُّ، والأصل الثَّابت، والفعل يحتمل الخصوصيَّة بخلاف القول.

قال ابن العربي رحمه الله (أحكام القرآن 4/ 1789) : "فأما عقده على أن يرد من أسلم إليهم فلا يجوز لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جوزه الله له لما علم في ذلك من الحكمة، وقضى فيه من المصلحة، وأظهر فيه بعد ذلك من حسن العاقبة، وحميد الأثر في الإسلام ما حمل الكفار على الرضا بإسقاطه، والشفاعة في حطه".

ثمَّ الحديثُ في قومٍ مستضعفين في دار كفرٍ، وليس في دخول أهل الكفر بلاد الإسلام واحتلالهم لها، أو اعتدائهم على مسلمين خارج حكمهم، بل هو في من أسلم منهم، ومن كان في أيديهم من المسلمين.

وأمَّا اعتداؤهم على المسلمين أو حلفائهم ممن هو خارج أيديهم، فقد جعله النّبي صلى الله عليه وسلم ناقضًا لعهدهم ومبيحًا لدمائهم، وغزا قريشًا لمَّا أعان بعضُهُم بعضَ البكريِّين على خزاعةَ حلفَاءِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وإن تُنزِّل فيه بعد هذا، وأُخِذ بقول من يقول بعموم الحكم وعدم اختصاصه بالنبي وأُلغيَ الفرقُ بين دار الإسلام ودار الكفر، فيجب أن لا يعدَّى موضعه؛ لأنَّ الفعل لا عموم له، وهذا الفعل جاء في مخالفة عمومات قوليَّة.

فيكون مختصًّا: بأفراد من المسلمين لا شوكةَ لهم أو دولة، عُلم فيهِم أنَّهم لا يفتَتِنُون عن دينهم وغلب على الظَّنِّ أنَّ الله جاعلٌ لهم مخرجًا، وكانوا قبل العهد في دار الكفر وبأيدي الكُفَّار أو كانوا من الكُفَّار المعاهدين ثمَّ أسلموا، فلا يلحق بهم الأسرى الذين يحدث أسرهم بعد العهد.

وعلى التنزُّل مرَّةً بعد مرَّةٍ، فقد جعله الله للرِّجال خاصَّة، وأمَّا النساء فقد أنزل الله فيهنَّ: (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) فيلزمُ المُستدلَّ بِهِ إن رأى صحَّة دلالته على ما يقول: أن يستثني نساء المسلمين حيث كُنَّ من الدُّخول في هذا الحكم.

وأمَّا المقام الرابع: إثبات أن العهد لم ينتقض بأمر وقع في هذه البلاد نفسها.

فمما ينتقض به العهد، بعض الأمور السابقة التي ذكرنا في المقام الأوَّل مما لا يصحُّ العهد معه ابتداءً، فاستمرارها استمرار لما ينقض العهد ويبطله، فمنه بناؤهم الكنائس كالكنيسة التي نالها التفجير في أحد المجمعات، ودور البغاء والمراقص وحانات الخمر، التي لا تقتصر عليهم بل يفتحونها لأبناء المسلمين، وبناتهم.

وقد ذكرتُ في غير هذا الموضع هذه المسألة، وأنقل فيما يلي موطن الشاهد منها:

"دخول الكافر لبلاد الإسلام عامَّة - عدا جزيرة العرب -، لا يخرج عن الأحوال التالية:

أ - الأمان

وله صورتان:

الصورة الأولى:

أن يستجير المشرك حتّى يسمع الكلام الله، فيجب وجوبًا أن يُجار ويعطى الأمان حتَّى يسمع كلام الله، ويجبُ إبلاغه مأمنه.

وهذه الصُّورة واجبة على المسلمين، متى استجار الكافر لهذا الغرض (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت