والحديث قد صححه الألباني مع أن في إسناده أبا معاوية محمد بن خازم التميمي السعدي الكوفي الضرير وهو مدلس مضطرب الحديث، لا تقوم بحديثه حجة في غير الأعمش كما ذكر الأئمة. وهو ها هنا قد رواه من غير طريق الأعمش وقد عنعن أيضًا، أضف إلى هذا أنه كان يرى الإرجاء! [12] .
وعلى كل حال .. فبفرض صحة الحديث، فإن القوم كما قلنا يُلزمون بما قدمناه من ضرورة فهمه على ضوء غيره من الأحاديث المبينة .. فيحمل قوله: "يقولون لا إله إلا الله" أي: يحققون التوحيد ويجتنبون الشرك والتنديد، وليس التلفظ بالكلمة مجردة ..
ثم هؤلاء لم يبلغهم القرآن ولا شيء من شرائع الدين، فعلى فرض وقوع مثل ذلك بعد ختم الرسالة، وقد حققوا التوحيد فقد أتوا بالإيمان الواجب عليهم وعلى أمثالهم، لأن الإنذار إنما يكون بكتاب الله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) [الأنعام: 19] ، وهؤلاء لم يبلغهم كتاب الله، فتحقق أن جهلهم بشرائع الدين ومبانيه الواجبة لم يحصل عن تقصير في طلب الحق أو إعراض، وإنما لرفع الكتاب وهو أمر قهري خارج عن إرادتهم، فيعذرون بتفاصيل تلك الشرائع التي لا تعرف إلا عن طريق الوحي ما داموا قد حققوا الحنيفية التي فطر الله الناس عليها [13] .
وحالهم قريب من حال من حقق التوحيد قبل البعثة، كزيد بن عمرو بن نفيل فإنه من القوم الذين قال الله تعالى فيهم: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) [يس: 6] ، وقال: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) [القصص: 46] فما بلغته من تفاصيل الصلاة والصيام ولا الزكاة المفروضة علينا ولا أتى بشيء منها.
ومع هذا عذر فيها لأنه حقق أصل الإيمان الواجب في حقه وحق كل أحد كاملًا ألا وهو الحنيفية، اجتناب الشرك وتحقيق أصل التوحيد .. فكان على ملة إبراهيم .. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعث أمة وحده يوم القيامة ..
بل حالهم كحال من آمن بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومات بمكة قبل نزول الشرائع فقد أتى هؤلاء بالإيمان الواجب عليهم آنذاك، ما داموا قد حققوا التوحيد واجتنبوا الشرك والتنديد وشهدوا برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ..
وهذا الجواب كله إنما يكون بعد إثبات صحة الحديث، وصحة كون زيادة "يا صلة تنجيهم من النار" مرفوعة لا مدرجة من قول حذيفة رضي الله عنه ..
والحاصل مما تقدم كله أن يتيقن الموحد من أن "تحقيق التوحيد والبراءة مما يضاده من كل شرك مخرج من الملة وتنديد" أصل الدين وقاعدته، وقوام دعوة الرسل وقطب رحاها .. وأن جميع الشرائع جاءت لحفظه وتحقيقه وصيانته، وأن هذا أمر محكم لا يتطرق إليه التشابه بحال ..
فالواجب مع كل خبر يشتبه على أحد من الناس أو يتوهمه المتوهمون معارضًا لهذا الأصل المحكم، أن يدرج تحته ويحمل عليه، لأنه هو (أم الكتاب وأصله) لا أن يصادم به ويعارض، فضلًا عن أن يسعى لهدمه بتلك الأخبار كما يفعله مرجئة العصر لأجل سواد عيون طواغيتهم .. (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 7] .
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياك من الراسخين في العلم ..