ولأجل ذلك عدت المعتزلة من أهل الزيغ حيث اتبعوا نحو قوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: 40] وتركوا مبينه ..
وكذلك الخوارج حيث اتبعوا قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [يوسف: 40] وتركوا مبينه: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) ، وقوله: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) .
واتبع الجبرية قوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: 96] ، وتركوا بيانه، وهو قوله: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [التوبة: 82] .
وهكذا سائر من اتبع هذه الأطراف من غير نظر فيما وراءها، ولو جمعوا بين ذلك ووصلوا ما أمر الله به أن يوصل، لوصلوا إلى المقصود. فإذا ثبت هذا فالبيان مقترن بالمبين، فإذا أخذ المبين من غير بيان صار متشابهًا، وليس المتشابه في نفسه، بل الزائغون أدخلوا فيه التشابه على أنفسهم فضلوا عن الصراط المستقيم" اهـ مختصرًا.
قلت: وكذلك أفراخ المرجئة، يتّبعون أمثال تلك الأخبار، ويتمسكون بها ليرقعوا بها دين أهل الشرك والضلال من طواغيت الحكام وعبيدهم وأنصارهم وأشياعهم، ويتركون مبيّنها مما تقدم من أن المراد تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد، والموت على ذلك، بل والإتيان من الأعمال بما لا يصير المرء مسلمًا إلا به.
فيكون المراد بالسجلات التي وضعت في الكفة المقابلة للبطاقة صغائر الذنوب وكبائرها مما لا ينقض التوحيد .. والمراد بالبطاقة تحقيق التوحيد والكفر والبراءة مما يعبد من دون الله لزامًا ..
وكذلك الشأن فيمن قيل فيهم لم يعملوا خيرًا قط، أي فوق مقتضيات التوحيد المنجية من الخلود في النار ..
وكذا حديث: "أخرجوا - أي من النار - من كان في قلبه حبة خردل من إيمان" قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/ 73) : والمراد بحبة الخردل هنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد. لقوله في الرواية الأخرى: "أخرجوا من قال لا إله إلا الله وعملوا من الخير ما يزن ذرة" اهـ.
ثم نحن نوجه إلى مرجئة العصر هؤلاء سؤالًا واضحًا لا نرضى عنه حيدة ولا محيصًا .. هؤلاء الذين احتججتم بهم في هذه الأحاديث لإنقاذ طواغيتكم من الكفر، هل يقولون لا إله إلا الله وينكرون بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؟؟
أو يقولون: لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله؟؟
أو يقولون: لا إله إلا الله وأحمد غلام ميرزا رسول الله؟؟
أو يقولون: لا إله إلا الله وأن الله هو علي بن أبي طالب أو المسيح أو غيره من الخلق؟؟ ومع هذا خرجوا من النار وكان مصيرهم مصير الموحدين؟؟
فإن قالوا بذلك فقد أشهدوا الثقلين على فساد عقولهم وتجرئهم على دين الله بل وعلى كفرهم وزندقتهم وإلحادهم في دين الله.
وإن نفوه ..
سألناهم أبدليل من تلك الأحاديث ذاتها، نفيتم ذلك أم بدليل غيره؟؟ فإن قالوا: من ذات الأحاديث، كذبوا وطالبناهم به ولن يستطيعوه .. وإن قالوا: من خارج الأحاديث .. لزمهم ولزم كل أحد أنّ أمثال هذه الأحاديث لا تفهم بمجردها، وإنما بمجموع النصوص المبينة لها ..
وبمثل هذا يلزمون إن احتجوا بحديث حذيفة الذي أخرجه الحاكم وابن ماجه: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ويسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا تبقى من الأرض منه آية ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والمرأة العجوز يقولون: «لا إله إلا الله» أدركنا آباءنا على هذه الكلمة فنحن نقولها وهم لا يدرون ما صلاة ولا صدقة ولا نسك، فقال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك؟ فأعرض عنه حذيفة ثلاثًا، ثم قال: يا صلة تنجيهم من النار".