فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 743

قال ابن القيم في كلامه على فوائد صلح الحديبية: (زاد المعاد3/ 309) : (ومنها أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم سواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد كما أفتى شيخ الإسلام ... الخ) .

والمقصود أن قبول النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الشرط كان عن علم بما سيجعل الله فيه من العاقبة الحسنة للإسلام والمسلمين كما هو صريح في رواية أنس المخرجة في صحيح مسلم.

ولذلك ذهب طائفة من أهل العلم إلى نسخ هذا الحكم وعدم العمل به كما أشار إليه الحافظ بن حجر في الفتح (مج5/ 433) ومنهم من أفهم التخصيص قال: (كان ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم) والمعجزة من الخصوصيات أشار إلى ذلك النووي في شرح مسلم وعلى القول بالعمل به فلا بد من استيفاء الشروط المفهومة البينة في الحديث وفي ملابسة القضية فمنها:

1 -أن يكون الوالي الذي يعقد معه الصلح وليًا من أولياء الله عنده رأفة ورحمة بالمؤمنين، وغلظة وشدة على الكافرين، كما كان ذلك وصفًا للنبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) .

2 -لا يتمكن من الصلح الذي يرجوا به العاقبة الحسنة للإسلام والمسلمين إلا بذلك.

3 -أن يكون ذلك عن طلب منهم وعدم الموافقة على كتابة الصلح إلابه.

4 -أن يكون عنده من حسن المعرفة والفراسة ما يتحقق معه الفرج البين لكل من جاء مسلمًا بإذن الله سبحانه.

5 -أن هذا كله فيمن قدم من الكفار مسلمًا لا على تسليم من هو مع المسلمين في الأصل.

وعلى هذا يتبين خطأ المفتي في إلقائه الكلام على عواهنه بلا تدبر وتفطن للزمان الذي يعيش فيه.

فهل أنت قلت ذلك في ولاية من فيه شيء من هدى النبي صلى الله عليه وسلم في موالاة أولياء الله المؤمنين والمجاهدين وفي معاداة أعداء الله من اليهود والنصارى والرافضة والشيوعيين وغيرهم من الكافرين، أو قلت ذلك في وقت إمام رايته خفاقة في أنحاء المعمورة يجاهد الكافرين، أو قلت ذلك في زمن من عنده من محبة المجاهدين وطلب الفرج لهم ما لو طلب منه ظفر مجاهد ما سلمه إلا بإراقة الدماء دفاعًا عن المجاهدين.

أم أنك ألقيت ذلك الكلام في وقت يباع فيه المجاهد يأخذ عليه من ينتسب للإسلام المعاوضات، أسألك بالله هل حينما قلت هذا الكلام وكتبته قد لاحظت ما تدعيه من الاهتمام بمعرفة خير الخيرين وشر الشرين أم أنك لبست وفتحت أبوابًا في هذه الفتوى كلها ضرر على الإسلام والمسلمين.

ثم قال: (فنصيحتي للمسلمين عامة وطلبة العلم خاصة أن يكفوا عن أسباب الشقاق بين المسلمين لأن هذا مما يخدم الأعداء المتربصين وعليهم أن يسعوا جاهدين لتوحيد الكلمة ووحدة الصف قال تعالى:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) وقال صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد منكم يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه كائنًا من كان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت