وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود وغيره عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) .. والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل .. ) قال صاحب العون في شرح هذا الحديث: " (والجهاد ماض منذ بعثني الله) : أي من ابتداء زمان بعثني الله (إلى أن يقاتل آخر أمتي) : يعني عيسى أو المهدي (الدجال) : مفعول. وبعد قتل الدجال لا يكون الجهاد باقيا. أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة عليهم، وعند ذلك لا وجوب عليهم بنص آية الأنفال، وأما بعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه الصلاة والسلام حيا في الأرض، وأما على من كفر من المسلمين بعد عيسى عليه الصلاة والسلام فلموت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة وبقاء الكفار إلى قيام الساعة، قاله القاري، والحديث سكت عنه المنذري" أهـ كلامه رحمه الله.
ودليلًا على استمرار الجهاد قال النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا كما جاء في الصحيحين وغيرهما واللفظ لمسلم عن جابر رضي الله عنه: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) وفي لفظ للبخاري (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم) وفي لفظ لأحمد (لا يبالون من خالفهم أو خذلهم) وقوله (لا تزال) دليل على الاستمرارية، وإن كان سياق الحديث كاف في إثبات استمرارية الجهاد، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم عن هذا الحديث "قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.
وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة; فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتى أمر الله المذكور في الحديث" أهـ كلامه.
ومن الأدلة أيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ، فجعلت غاية القتال في هذا الحديث هي الإسلام فإذا أسلم الناس فلا قتال، والأدلة كثيرة التي تدل على عدم إسلام الناس جميعًا وبقاء الكفر إلى يوم القيامة فإذا كان كذلك فالقتال باق معه أيضًا حتى يأتي أمر الله تعالى، والمقصود بأمر الله في الحديث: قيل هو إسلام الناس في زمن المسيح وقيل يوم القيامة وقيل هبوب الريح التي تقبض أرواح المؤمنين، ولكن دلالة الحديث واضحة في بقاء القتال ما بقي الكفر.
والنصوص التي تفيد استمرار الجهاد كثيرة لا مجال لحصرها، والأئمة متفقون وبلا خلاف على استمرار الجهاد وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن استمراره خبرًا لا يتغير ولا يتبدل، وهذه النصوص تبين أنه لا يمكن أبدًا أن يخلوا زمان من الأزمنة منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة من راية جهاد حق مرفوعة في سبيل الله تعالى، وهذا خبر منكره كافر بالله تعالى.