فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 743

فإن قيل: إنّ المقتحم لصف العدوّ والمنغمس فيه يقتل بيد العدوّ، بخلاف الذي يقوم بالعمليات الإستشهادية فإنه يقتل بفعله. فيقال: قد علم في الشرع أنّ المشارك والمتسبب في قتل النفس التي حرمها الله حكمهما كحكم المباشر لقتلها. فمن حبس رجلًا وقتله آخر فقال عطاء: يقتل القاتل ويحبس الحابس حتى يموت. ومن حبس إنسانًا ومنع عنه الطعام والشراب حتى يموت جوعًا أو حفر له بئرًا ليقع فيها، فوقع فيها فمات أو قدمه لحيوان مفترس أنه يقتل أو أمسك رجل رجلًا فقتله آخر فإنهما يقتلان لأنهما اشتركا في قتله. وهذا مذهب الليث ومالك والنخعي. وأما الشافعية والأحناف فذهبوا إلى أنّ القاتل المباشر للقتل يقتل وأما الممسك فيحبس حتى يموت جزاءً لإمساكه المقتول. وإليه ذهب أبو ثور والنعمان واختاره ابن المنذر، وهو قول أكثر أهل العلم. وذهب الجمهور مالك والشافعي وأحمد إلى وجوب القصاص على المتسبب في القتل عمدًا وخالفه في ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن فقالوا: لا يقتل ولا يقتص منه وأوجبوا على عاقلته الدية ولا معنى لهذا القول. وقول الجمهور أقوى حجةً وأظهر دلالة، وهو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رواه مالك في الموطأ: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل نفرًا برجل واحد قتلوه قتل غِيلة، وقال: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا) .

قلت: والغِيلة بالكسر الاغتيال يقال: قتله غِيلة، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله فيه. وتمالأ القوم: أي تعاونوا واجتمعوا.

والحاصل أنّ المقتحم لصف العدوّ والمنغمس فيه تسبب في قتل نفسه، والذي يقوم بعملية استشهادية باشر قتل نفسه بفعله ضرورةً أو مصلحةً متحققةً أو راجحةً أو غلب على ظنه رجحانها، وحكمهما في الشرع واحد، وقصدهما من ذلك طلب الشهادة ونصرة الإسلام وإلحاق الهزيمة بالأعداء.

وقد روى الإمام مسلم في صحيحه كتاب الإمارة باب فضل الجهاد والرباط (3/ 1503 - 150 ح 1889) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل، أو الموت مظانّه، ورجل في غنيمة في شعفة من هذه الشعف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربّه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلاّ في خير) .

وفي مسند أبي عوانة (5/ 59 (ولفظه:(يأتي على الناس زمان أحسن الناس فيهم؛ رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع بهيعة استوى على متنه، ثم طلب الموت، مظانّه) . الحديث

وموضع الاستدلال من الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم (يبتغي القتل، أو الموت، استوى على متنه ثم طلب الموت، مظانّه) .

وفي الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد الأسلمي قال: قلت لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت. (رواه البخاري في كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية، 7/ 449، ح 7206 وكتاب الأحكام - باب كيف يبايع الإمام الناس، 13/ 93، ح 7206؛ ومسلم في كتاب الإمارة - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش، 3/ 1486، ح 1860) ، والشاهد من هذا الحديث المبايعة على الموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت