فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 743

وإلى هذا المعنى أشار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في مجموع الفتاوى (28/ 540) فقال: (وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها:(أنّ الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين) ، ولهذا جوّز الأئمّة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين). أهـ

وقد تقاس العمليات الإستشهادية بحالة تترس الكفار بالمسلمين، والفقهاء يقولون بالتضحية بالمسلمين المتترس بهم إذا لم يمكن التوصل إلى الكفار إلاّ بذلك وكان الكف عن قتل الكفار لأجل المتترس بهم من المسلمين يفضي إلى تعطيل الجهاد وانقطاعه لأنهم متى علموا ذلك يتترسون بالمسلمين عند خوفهم فينقطع الجهاد، أو كان الكف عن قتال الكفار لأجل المتترس بهم من المسلمين يؤدي إلى استيلاء الكفار ببلاد المسلمين أو تقوية شوكتهم أو استباحتهم لبيضة الإسلام، ففي هذه الحالة يجوز رمي الكفار مع وجود الترس البشري من المسلمين ولكن نقصد الكفار، ومن قتل من المسلمين المتترس بهم بالخطأ لأجل الجهاد في سبيل الله، كان شهيدًا - إن شاء الله تعالى - ويبعث يوم القيامة على نيته، ولم يكن قتله أعظم فسادًا من قتل المجاهدين في سبيل الله وإزهاق أنفسهم وهم يحرسون ثغور الإسلام ويمنعون الكفار من استباحة دار الإسلام. فإذا كانت الضرورة دفعتنا إلى التضحية بمصلحة الترس البشري من المسلمين في سبيل الله إعزازًا للدين وإنقاذًا لمجموع الأمّة الإسلامية، فكذلك يقال في العمليات الإستشهادية، إذا كان لا يمكن التوصل إلى قتال الأعداء إلاّ بذلك، ففي مثل هذه الحالة تدعو الضرورة إلى القيام بالعمليات الإستشهادية ولا بأس بالتضحية بفرد أو عدة أفراد يقومون بعمليات استشهادية يضعون فيها مواد متفجرة في سياراتهم أو حقائبهم أو يحيطون أنفسهم بحزام صاعق متفجر ثم يقتحمون مواقع العدوّ وتجمعاته أو يستخدمون الطائرات المدنية كأهداف عسكرية يضربون بها المراكز الحيوية للعدوّ - كالحالة التي حصلت في أمريكا مثلًا - فيفجّرونها بتلك المواد الناسفة لقصد النكاية بالعدوّ أو القضاء عليه أو إرهابه أو إضعاف قوته أو غير ذلك من المقاصد الشرعية لقصد دفع الضرر الأكبر بالمسلمين إذا لم ينتدبوا لمواجهة الكفار. ومعلوم أنه في حالة المسلمين الذين تترس بهم الكفار جاز للمسلم أن يقتل غيره من المسلمين، مع أنّ قتل المسلم لغيره من المسلمين جريمة كبرى في الإسلام، وهو أعظم جرمًا من قتل المسلم لنفسه (لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعد ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد فأولى من ظلم غيره بإفاتة نفسه) . (الفتح 3/ 227) .

(فإذا كان ما هو أعظم جرمًا لا حرج في الإقدام عليه، لا بحكم استباحة قتل المسلم لغيره من المسلمين، وإنما بحكم الضرورة التي لا بد منها في حالة الحرب، تفاديًا لضرر أشد - فإنه ينبغي بطريق الأولى أن لا يكون هناك حرج في الإقدام على ما هو أقلّ جرمًا، لا بحكم استباحة الانتحار، أو قتل المسلم لنفسه، وإنما بحكم الضرورة التي لا بد منها في حالة الحرب - تفاديًا لضرر أشد) . (القتال والجهاد في السياسة الشرعية، د/ محمد خير هيكل، 2/ 1402 - 1403) .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في مجموع الفتاوى (28/ 540) : (فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أنّ قتله نفسه أعظم من قتله لغيره؛ كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلاّ بذلك، ودفع ضرر العدوّ المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلاّ بذلك أولى) . أهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت