فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 743

وكان الغلام يبرئ الاكمه والأبرص ويداوى الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ههنا لك أجمع ان أنت شفيتنى، فقال: اني لا أشفى أحدا إنما يشفى الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله.

فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله.

فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل؟ فقال: اني لا أشفى أحدا إنما يشفى الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمئشار، فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه.

ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم أكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم أكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله.

فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني.

فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام.

فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيه، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق) [11] .

يعد هذا الحديث من روائع القصص النبوي وبدائع الأحاديث النبوية لما تضمنه من فوائد نافعة ونصائح رائعة للدعوة والدعاة، أفردها بعض طلبة العلم بالتصنيف والتأليف ونحن في هذا المقام نقتصر على فائدة واحدة وهي التي يدور حولها حديثنا؛ وهي أن الفرار بالدين إلى الكهوف نحوها مؤشر لبداية الظهور والتمكين، ويشير إلى هذه الفائدة تواري الراهب في كهف أو صومعة أو جبل أو نحو ذلك عن الملك وجنوده وسدنته من علماء السوء - السحرة -، ولم يقتصر هذا الراهب على التواري عن أعين الطغاة بل كان يصدر بيانات ويدعو إلى عقيدة التوحيد والنهج السديد، فاقتنع بدعوته المباركة هذا الغلام المبارك، الذي فتح الله تبارك وتعالى على يديه قلوب أمة بكاملها ونجاهم الله بدعوته من الشرك والعبودية -التحاكم- لغير الله تبارك وتعالى.

المثال الثاني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت