وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى غار ثور عندما أراد كفار قريش قتله، كما قال الله تعالى: (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [8] .
وروى البخاري ومسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز وجل: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا) ، قال: (نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم(وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ) ، فيسمع المشركون قراءتك، (وَلا تُخَافِتْ بِهَا) عن أصحابك، أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر، (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) ، يقول؛ بين الجهر والمخافتة) [9] .
وقد سار على هذه السنة الربانية كثير من العلماء الربانيين كسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل، كما هو مذكور في تراجمهم.
وقد ذكر الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي - المتوفى سنة 409هـ - العلماء الربانيين الذين فروا بدينهم إلى الكهوف والجبال والسهول ونحو ذلك بمصنف مستقل وسماه كتاب "المتوارين".
اللجوء إلى الكهوف والجبال بداية التمكين
إن الناظر في سيرة الأنبياء صلوات الله عليهم واتباعهم من عباد الله الصالحين والدعاة المصلحين، يجد أنه يسبق مرحلة التمكين والظهور؛ مرحلة الابتلاء والتمحيص، وهذا الابتلاء له صور متنوعة ومتعددة، منها ترك الوطن والأهل والمال والفرار بالدين والعقيدة إلى الكهوف والجبال والسهول والوديان بعد شدة العذاب والتنكيل الذي يصبه أعداء الله على عباد الله.
وإذا دخلت الدعوة المباركة هذه المرحلة فإن هذا يعني أن النصر والتمكين قريب قال الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [10] .
ولبيان هذه السنة الربانية أذكر ثلاثة أمثلة من عصور مختلفة ومتباعدة:
المثال الأول:
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فأبعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكى ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر.
فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وانك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي.