منه، ثم عاد إلى الديار المصرية، فانتصب فيها أيضا للاقراء والتدّريس والافتاء والتصنيف.
فصنّف مختصرا في علم الجدل، سمّاه «المعتبر في علم النّظر» ، ثم وضع عليه شرحا جيّدا. وصنّف في التصوف كتابا حسنا، سمّاه: «حياة القلوب» وتصنيفا «في الرد على النصارى» ، وتولى تدريس المدرسة الحسامية، والمدرسة الاقبغاوية، وناب في الحكم بالقاهرة، وأضيف إليها نظر الأوقاف بها والحكم بالأعمال المنوفية. ثم ترك ذلك واشتغل بما هو بصدده، وتفرغ لما خلق له، إلى أن مات ليلة السبت ثامن عشرين شهر رجب سنة أربع وستين وسبعمائة.
162 -والد المؤلف
وكان الوالد رحمه اللّه تعالى مع ما اتصف به من العلم، من كبار الصالحين المتورّعين، المنقطعين إلى اللّه عزّ وجل.
اشتغل باسنا على البهاء القفطي، ثم اعتزل الناس ولزم بيته، مقبلا على ما هو الأهم، من صلاة وقراءة قرآن، ومطالعة، وما يحتاج إليه عياله من خياطة، ونحوها فإذا كان العيد جمع أولاده وأخذ لهم شيئا من الفقه والفرائض والعربية، وكنت ممن يحضر وكان لا يخرج منزله غالبا إلا للجامع لصلاة الجمعة، والعشاء والصبح خاصة، ثم يخرج لمجرد سلام الإمام، فنعود إليه بحيث أنّ أكثر أهل بلده مع انضباطهم، وانحصارهم لا يعرفونه. وكانت له أرض لطيفة مشتملة على نخيل، وكان فيها بركة يحصل منها كفاية عياله غالبا، وكان محاسبا لنفسه للغاية، وعلمت ذلك مع صغر سنّي بشهرة حاله من حيث الجملة وبحكاية وعيتها منه، وهو: إنّه حصل له ولغالب من عنده عوارضوانكاد، وشواغل قلبية شوّشت عليه جدا، ومنعته من اجتماع قلبه عليه، فتحاكى ليلة هو والوالدة رحمهما اللّه تعالى في ذلك ثم قال: أنا أعلم من أين دخل علينا الدخيل، فقالت له، ما هو؟ وكان له عبد دون البلوغ، اسمه: صبح، فقال: وأنا