فهرس الكتاب

الصفحة 519 من 745

ذا حرمة وافرة وحشمة ظاهرة، مترفعا عن الدخول على الملوك مع سؤالهم له، ولا يقبّل يد السلطان إذا اتفقت له ولاية، بل يصافحه، وكانت أكابر الأمراء من الدولة السلطانية تتصاغر عنده، ولا يجلسون إلا بين يديه حتى قال في حقه السلطان ابن قلاوون: «لا أعرف في مملكتي مثله» .

وكان أجمع من رأيناه للعلوم مع الاتساع فيها، خصوصا العلوم العقلية واللغوية لا يشار بها إلا إليه، ولا يجال فيها إلا عليه.

ولد بقونية من بلاد الروم، سنة ثمان وستين وستمائة، واشتغل ببلده، ثم قدم دمشق في أول سنة ثلاث وتسعين، وعمره نحو خمس وعشرين سنة، فسمع بها، ودرّس بالإقبالية، وانتصب للإفادة، فلم يجد سوق فضله بالشام نفاقا، ولا رزق غيره علمه بها انفاقا، وكان من عقلاء الرجال، والقليلي الأمثال، فاختار مدينة يبرز الأمر منها، على مدينة يبرز الأمر إليها فتوجه إلى الديار المصرية وقدم عليها، وألقى عصاه بمحط الركبان، ومرسى الفلك واستقر بعد نواه بحرم الإمامة ودار الملك.

وكان قدومه إلى القاهرة في سنة سبعمائة، فسمع بها من الشيخ شرف الدين الدّمياطي، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ولازمه وقرأ عليه في شرحه للإمام، وكتب له الشيخ، وأثنى عليه ثناء بالغا، مع شدة احترازه في الألفاظ، وتولّى لتدريس المدرسة الشريفية، ومشيخة الشيوخ، ومشيخة الميعاد بالجامع الطولوني وانتصب للاشتغال بجدّ واجتهاد وملازمة، وازدحمت عليه الناس إلى أن تخرّج به أكثر علماء الديار المصرية من الطوائف كلها.

وصنّف الشرح المشهور على «الحاوي» ولخّص كتاب «المنهاج»

للحليمي، وانتهت إليه رئاسة العلم وافتخر به عصره، ولم يزل كذلك، إلى أن تحيل عليه جماعة من الكبار في بعده عن الديار المصرية لأغراض، فحسّنوا للسلطان الملك الناصر توليته للشام، بعد انتقال القاضي جلال الدين القزويني منها إلى الديار المصرية فسأله في ذلك سؤالا كثيرا، متلطّفا في القول، فكان من جملة ما اعتذر به كما سمعته، يحكى أن قال: لي أطفال ينادون بالحركة، فبسط السلطان يديه، وقال:

أحملهم على كفوفي إلى الشام، فعند ذلك اضطر إلى القبول استحياء وانتقالا إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت