فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 745

وكان الإمام في الظاهر، يظهر التبجح به، وفي الباطن عنده منه شىء، لما يصدر منه من سرعة العبارة وقوة الطبع، وينسب إليه تصنيفان ليسأله بل وضعا عليهوهما «السر المكتوم» و «المضنون به على غير أهله» . وينسب إليه أيضا شعر، فمن ذلك ما نسبه إليه ابن السمعاني في «الذيل، والعماد الأصبهاني في «الخريدة» :

حلّت عقارب صدغه في خده قمرا فجلّ به عن التشبيه

ولقد عهدناه يحلّ ببرجها فمن العجائب كيف حلّت فيه

وأنشد العماد له أيضا:

هبني صبوت كما ترون بزعمكم وحظيت منه بلثم خد أزهر

إني اعتزلت فلا تلوموا أنه أضحى يقابلني بوجه أشعري

فلما مات إمامه خرج إلى المعسكر وحضر مجلس نظام الملك، وكان مجلسه محطّ الرّحال العلماء، ومقصد الأئمة والفصحاء، فوقع للغزالي أمور تقتضي علو شأنه من ملاقاة الأئمة ومجازاة الخصوم اللّد، ومناظرة الفحول ومناطحة الكبار فأقبل عليه نظام الملك وحلّ منه محلا عظيما، فعظمت منزلته وطار اسمه في الآفاق، وندب للتدريس بنظاميّة بغداد، سنة أربع وثمانين فقدمها في تجمّل كبير، وتلقاه الناس، ونفذت كلمته، وعظمت حشمته حتى غلبت على حشمة الأمراء والوزراء، وضرب به الأمثال وشدّت إليه الرحال إلى أن شرفت نفسه على رذائل الدنيا فرفضها وأطرّحهاوأقبل على العبادة والسياحة، فخرج إلى الحجاز في سنة ثمان وثمانين فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين، بمنارة الجامع، وصنّف فيها كتبا يقال: ان

«الاحياء» منها، ثم صار إلى القدس والإسكندرية، ثم عاد إلى وطنه بطوس، مقبلا على التصنيف، والعبادة، وملازمة التّلاوة، ونشر العلم وعدم مخالطة الناس، ثم ان الوزير فخر الملك ابن نظام الملك حضر إليه وخطبه إلى نظاميّب نيسابور، وألح عليه كل الإلحاح فأجاب إلى ذلك وأقام عليه مدة، ثم تركه وعاد إلى وطنه، على ما كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت