خلالها التّرتيب على الأطراف من جديد بعد أن وجد في القرن الرّابع الهجريّ [1] كما في: فوائد أبي اليُمن الكنديّ (ت: 613هـ) [2] .
هذا، وبلغ عدد ما خُرِّج من كتب الفوائد أو رُتّب خلال هذه الفترة: أربعة عشر كتابا من سبعة عشر هي مجموع ما وقفت على مخطوطاتها وهذا يمثّل ما نسبته: 82.35% وهي نسبة عالية.
وممّن ألّف في هذه الفترة: عفيفة الفارفانيّة (ت: 606هـ) [3] ، والعثمانيّ (ت: 618هـ) [4] ، وابن المقيّر (ت: 643هـ) [5] ، وأبو حامد الصابونيّ (ت: 680هـ) [6] ، وأبو الحسن الوانيّ (ت: 727هـ) [7] ، والذّهبيّ (ت: 748هـ) [8] ، والعلائيّ (ت: 761هـ) [9] ، وأمّ المساكين بنت اليافعيّ (ت: 846هـ) [10] وهي آخر من ألّف في الفوائد الحديثيّة ممّا وقفت عليه.
هذا، وبلغ مجموع ما أُلِّف في الفوائد خلال هذه الفترة - فيما علمت: أربعة وثلاثين كتابا، كان نصيب القرن السّابع منها: أربعة وعشرين، والقرن التّاسع: كتابا واحدًا فقط.
ولعلّ قلّة تأليف الفوائد خلال هذه القرون عائد إلى كثرة التّأليف في الحديث، وانتشار المصنّفات فيه، وقلّة احتياج طلاّب العلم إلى الرّحلة، والانتقاء على الشّيوخ، وضعف الاهتمام بالرّواية بالسند، وانصباب الجهود على الاعتناء بكتب المتقدّمين، سماعا، وإجازة، وخدمة سواء أفي المتون أم الأسانيد؛ ليسهل الانتفاع بها، أو جمع ما جاء من الأحاديث فيها في موضوع واحد، وإيداعها مصنّفا مستقلاًّ، ونحو ذلك - والله تعالى أعلم -.
المَبْحَث الثّالث من أهميّة كتب الفوائد الحديثيّة
إنّ لسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهميّة بالغة لا تخفى على ذي لبّ؛ إذ هي الحافظة لأقوال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأفعاله وتقريراته وصفاته الخَلقيّة والخُلُقية، المبيّنة لمجمل القرآن، المفسّرة لمبهمه وغامضه ... ولهذا ولغيره اهتمّ أهل العلم في كلّ زمان وأوان بحفظها، والعناية بها، وحرصوا أن يسلكوا كلّ السبل الممكنة حتّى يتحصّل لهم ما قصدوه وأرادوه، ومن ذلك تأليفهم وتصنيفهم في جمع الفوائد الحديثيّة عن الشّيوخ، وتخريجها ...
وتبرز أهميّة هذا النوع من التأليف في خدمة السّنّة النّبويّة في نقاط عدّة أُجمل أهمّها، وأبرزها فيما يلي:
أوّلًا: جميع أحاديثها مرويّة بالسّند إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ووجود السّند له أهميّته، ومكانته في قيمة الكتاب العلميّة، ووجوده وسيلة لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، وقويّه من ضعيفه، وما يترتّب على ذلك.
والسّند خصيصة من خصائص هذه الأمّة دون سواها من الأمم، والمحدّثون هم أسبق النّاس عناية واهتمامًا به.
ثانيا: مادّتها منتقاة من أصول الشّيوخ المرويّة عنهم ومسموعاتهم، والانتقاء لا يكون إلاّ لما يُرَى أنّ فيه فائدة لا توجد عند غير ذلك الشّيخ [11] .
والانتقاء لا يتصدّى له إلاّ أهل المعرفة بالحديث، وعلله، واختلاف وجوهه، وطرقه، وغير ذلك من أنواع علومه ... فإمّا أن يكون المنتقي هو الشيخ نفسه، أو تلميذه الرّاوي عنه - وهذا هو الغالب - وأمّا إذا كان الشّيخ ليس من أهل المعرفة بالحديث فإنّه يستعين ببعض الحفّاظ في تخريج الأحاديث الّتي يريد إملاءها قبل يوم مجلسه [12] .
ثالثا: مادتها منتخبة من أصول أئمّة حفّاظ، أجلاّء، لهم قدرهم، ومنزلتهم - قديما، وحديثا - لما حباهم الله به من علم، وفضل، وذبّ عن سنة رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - حفظ الله بهم دينه، وشريعته ... كاللّيث بن سعد الفهميّ، ويحيى بن معين، والبخاريّ، وسمّويه، وأبي زرعة الدّمشقيّ، والطّبرانيّ، والدّارقطنيّ، وأبي طاهر المخلّص، والذّهبيّ، ونحوهم.
أو أنّ الّذي انتقاها وخرّجها إمام، حافظ، عارف بالحديث، وعلومه كالدّارقطنيّ، والخطيب البغداديّ، وابن أبي الفوارس، وابن النّقّور، واللالكائيّ، وأبي طاهر السّلفيّ، ونحوهم أيضا.
رابعا: كتب الفوائد من الكتب الأصيلة في تخريج الأحاديث، وشرحها، وتوضيح مشكلها، وتعيين مهملها، وتمييز مبهمها، ونحو ذلك من أنواع علوم أسانيدها، ومتونها ... فإفادة المحدّثين منها في جمع طرق الأحاديث غير الصّحيحة، ومتابعاتها، وشواهدها، وتقوية الأحاديث المعلّة، وإفادتهم من النّظر في متونها في ما صنّفوه من الشّروح الحديثيّة أمر لا يخفى.
خامسًا: اشتمال كثير منها على أحاديث عوالٍ بجميع أنواع العلوّ كالمصافحات، والموافقات، والأبدال، وغيرها ... ومثل هذه الكتب محطّ أنظار المحدّثين؛ لأنّه كلما قلّ عدد الوسائط قلّ احتمال ورود الخطّأ، ويعدّونها من أشرف الحديث، وأحسنه، وأغلاه، لا سيّما عند صحّة سنده ... يقول أبو طاهر السّلفيّ (ت:576هـ) [13] :
دَعُونِي مِن أَسَانِيدِ الضَّلالِ ... وَهَاتُوا مِن أَسَانِيدٍ عَوَالي
رِخَاصٍ عِنْدَ أَهْلِ الجَهْلِ طرًّا ... وَعِنْدَ العَارِفِينَ بِهَا غَوَالي
عَن أشْيَاخِ الحَديْثِ وَمَا رَوَاهُ ... إِمَامٌ في العُلُومِ عَلَى الكَمَال
ويقول أيضا [14] :
لَيسَ حُسْنُ الحَدِيْثِ قُربَ رِجَالٍ ... عِندَ أَربَابِ عِلْمِهِ النُّقَّاد
بَلْ عُلوِّ الحَدِيثِ عِند َأُولي الإتْ ... قَانِ والحِفْظِ صِحّةُ الإسنَاد
فَإذَا مَا اجتَمَعَا في حدِيثٍ ... فَاغْتَنِمْهُ فَذَاكَ أَقْصَى المُرَاد
سادسا: ظهر لي من خلال دراستي لكتب الفوائد الحديثيّة، وتتبّعها في المكتبات، وفهارس المخطوطات، وبطون الكتب، والفهارس، والمشيخات: أنّ التأليف في جمع الفوائد الحديثيّة من أوسع التآليف في فنون الحديث الشّريف ...
فوقفت على: واحد وثمانين ومائة كتابٍ منها، وسبعة وسبعين ومئتين وقفت على اسمه، واسم مؤلّفه، ولم يتيسّر لي الوقوف عليه، أولم يصل إلينا فيما اعلم، فهذه:
ثمانية وخمسون وأربعمائة كتاب ... ولا أدلّ على أهميّة فنّ ما، واهتمام أهل العلم به من كثرة التّأليف، والتّصنيف فيه، لا سيّما إذا كان في أوقات مختلفة، وأزمنة متفاوتة كما هو حال كتب الفوائد.
ولعلّ ممّا ساعد على ذلك حرص المحدّثين رحمهم الله على سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والرّحلة في طلبها، ونشرها، لا سيّما أنّ هذه الكتب تتضمّن من الفوائد ما لا يوجد في غيرها.
سابعًا: ومع هذا التّوسّع في تأليف وتصنيف كتب الفوائد الحديثيّة فإنّ أكثر أصحابها من العلماء المعروفين، الّذين يحتجّ أهل العلم بحديثهم [15] ، وليس بينهم أحد حديثه في مرتبة الضّعيف إلاّ ثمانية [16] ، واثنان منهم حديثهما في مرتبة الضّعيف جدًّا [17] ، وأربعة رموا بالكذب، أو اتّهموا
(1) انظر ص/122.
(2) انظر ص/213 رقم/64.
(3) انظر ص/357 رقم/220.
(4) انظر ص/170 رقم/5.
(5) انظر ص/243 رقم/112.
(6) انظر ص/360 رقم/227.
(7) انظر ص/208 رقم/57.
(8) انظر ص/230 رقم/93.
(9) انظر ص/361 رقم/231.
(10) انظر ص/362 رقم/234.
(11) انظر: فوائد يحيى بن معين (ص/155) ، والجامع للخطيب (2/ 219 - 220) ، والتّبصرة والتذكرة للعراقيّ (2/ 220،233، 234) ، وما تقدّم ص/108، وما بعدها.
(12) انظر: الجامع للخطيب (1/ 69 - 71، 2/ 220 - 221) ، والتّبصرة للعراقيّ (2/ 221 - 222) .
(13) انظر: السّير (21/ 29) .
(14) انظر: السّير (21/ 37) .
(15) النّسبة المئويّة لمن يُحتجّ بحديثه من أصحاب كتب الفوائد الّذين ترجمتُ لهم في الرّسالة: 96.94%، ولمن لا يُحتجّ بحديثه إذا انفرد: 1.75%، وللبقيّة:1.31%.
(16) انظر: ص/186رقم/27، وص/287 رقم/3، وص/290رقم/11، وص/307
رقم/66، وص/313 رقم/83، وص /319رقم /100، وص /342 رقم/170، وص/359 رقم/225.
(17) انظر: ص/325 رقم/115، وص/342 رقم/169.