وقد أبدع الأرجاني في صوره، ومعانيه، ولغته، وأسلوبه، وموسيقى شعره، وعن ذلك يقول العماد الأصفهاني: (ما أعمق بحره! وأعبق عطره! وأعلقه بالقلوب! وأمزجه بالنفوس! وأجلاه للهم! وأذهبه للبؤس! وما أسكر للروح راحه، وأشكر للصبوح صباحه، وأعجز للقرائح اقتراحه) (1) .وأجاد في افتتاح القصائد والانتقال من غرض إلى آخر، وحُسن الاختتام:(وما أعجب في الخواتم والفواتح
اختتامه وافتتاحه! فلباعه الامتداد في الامتداح، ولطباعه الاقتدار في الاقتراح، ولخاطره الابتكار، والاقتضاب في افتضاض الأبكار .. ،وما أضوأ فجره في التخلص! وأضوع منشره في التفحص) (2) .
ولا عجب في ذلك؛ إذ أكبّ الشعراء على العربية يتقنونها، ويتمثلون ملَكَتها وسليقتها، تمثّلًا دقيقًا، نافذين بذوقهم المتحضِّر إلى أسلوبٍ مُصفًّى، يجمع حينًا بين الجزالة والرصانة، وحينًا بين الرقة والعذوبة. وكان تأثرهم عميقًا بالثقافات المترجمة مما أثار في عقولهم ونفوسهم كثيرًا من المعاني والخواطر التي لا نكاد تُحصى، ودفعهم إلى تطوير موضوعات الشعر الموروثة تطورًا نلمس فيه روح العصر، وخصب الفكر، ورهافة الشعور، وأضافوا إليه موضوعات جديدة بما نفذوا إليه من تحليل المعاني، والملاءمة بين أشعارهم وبيئاتهم المتحضرة، وحياتهم اليومية (3) ،ومحاولة الإتيان بطرائف المعاني والصور، ولا سيما أنهم كانوا يغدون ويروحون على مجالس المعتزلة وغيرهم من المتكلمين (4) ،كما كانوا يكبُّون على قراءة كتب الفلسفة، والثقافات الأجنبية، محاولين أن يكتسبوا من ذلك كله ما يتيح لهم في أشعارهم أن يشيعوا فيها المعاني النادرة، والأخيلة المبتكرة (5) ،ولا سيما أن أبيات الأرجاني تحمل معاني، وصورًا دقيقةً تصوّر شاعريته، وأنه كان يعرف ـــــــــــــ
(1) خريدة العجم 3/ 147.
(2) خريدة العجم ـ فارس3/ 147.
(3) تأريخ الأدب العربي - العصر العباسي الأول ص 5.
(4) ينظر: نفسه ص 159.
(5) نفسه ص159.