يُؤثَر عنهم رواية، وأختار كتبَ ما أستحسنُه حديثًا ونظمًا وحكاية) (1) .وقيل: (إنّه كان يحفظ شعر البحتري ودواوين الشعر المشهورة) (2) .
إنّ كتاب الخريدة من خِيرة كتب العماد، فقد أنفق في جمع مادته مدة طويلة من حياته، الحافلة بالنشاط العلمي، مُذ كان يُدَرِّسُ في النظامية في بغداد، واستعان عليها بأسفاره وصلاته ومكانته من السلطان، فلقي عددًا كبيرًا من العلماء والأدباء والمُحَدِّثين والرواة، ووقف على جملة طيبة من الدواوين، واتصل اتصالًا مباشرًا بكثير من شعراء العصر وأدبائه فشافههم، وسمع منهم وكتبوًا له واستكتبهم.
ودارت بينه وبينهم رسائل وقصائد، وظفر بالمجموعات الشعرية التي أعدّها معاصروه والسابقون له، وتوافر له من ذلك كله ما ساعده على أن يذكر (الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائه) (3) .
وليست قيمة الخريدة فيما استغرقته من مدة فسيحة من الزمان فحسب، وإنما قيمتها كذلك في هذه الرقعة الواسعة من المكان، فهي لا تقتصر على قطر من أقطار الإسلام بعينه، ولا على شعراء دولة من الدول بذاتها، وإنّما تجمع شعراء العالم الإسلامي كله، وذلك فقد عرضت لشعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب. وتستمد الخريدة أهميتها كذلك كونها حلقة متوسطة في سلسلة من التأليف المتتابعة من قبلُ ومن بعدُ، وإنّ العماد جعلها ذيلًا على (زينة الدهر) للحظيري الوراق المتوفى سنة (568) للهجرة، والحظيري جعل كتابه ذيلًا على (دُمية القصر وعُصرة أهل العصر) للباخرزي المتوفى سنة (467) للهجرة، والباخرزي جعل كتابة ذيلًا على (يتيمة الدهر) للثعالبي المتوفى سنة (429) للهجرة، والثعالبي جعل كتابه ذيلا على كتاب (البارع) لهارون بن علي المنجم المتوفى سنة (288) للهجرة (4) .
ــــــــــــــ
(1) الخريدة - الشام 2/ 473. ... (2) مرآة الزمان 8/ 505.
(3) يُنظر: الخريدة - الشام1/ 3.
(4) وفيات الأعيان 5/ 150. ويُنظر: الخريدة - الشام1/ 4.وتأريخ الأدب العربي (عصر الدول والإمارات) 5/ 322.