الصفحة 165 من 228

الحكمة والموعظة:

الحكمة عميقة الجذور فقد عرفها الأدب في الأمثال، قبل أن ينطقها العرب في الأشعار، وسُمِعت من أفواه الكهان قبل أن تسرد في شعر الشعراء، وازداد أفقها اتساعًا على مر العصور، بازياد تجارب الحياة، وتعدد الخبرات التي تمر بالمرء، واتسعت أضواء الحكمة عند شعراء هذا الحقبة لإطلاعهم على ما سبقهم من حكم بشار، وأبي نواس، وأبي العتاهية، والمتنبي، والمعري، والخيام، ومواعظهم ومطالعتهم الثقافات المعاصرة، والفلسفة بخاصة، فقد تُرجمت في زمانهم الكتب اليونانية، والحكم الهندية، ونُشرت، وذاعت بين محبي الثقافة، والمهتمين بها، وهذا العمل من النقل والترجمة استغرق أكثر من مئتي سنة، فتسربت تلك الثقافات إلى كتب الأدب المتداولة، وقد كان الطغرائي يعكس أشعة من روح أبي الطيب المتنبي، ويمد أحيانًا بنَفَسِه في أنفاسه فيقول (1) :

وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه

هانت عليه ملامَةُ الجُهّال

وقوله (2) :

ومن تطامن للدنيا غواربه

لم يخل من نصب فيها ومن وصب

وهم إذا ذلوا أنفسهم في طلب المال والمديح فإنهم عفّوا في الحكمة، فحثوا على عدم جمع المال؛ لأنه يُودي بشرف المرء، كقول أبي طاهر السلفي (3) :

من اغتدى والقليل يقنعه

عاش عزيزًا ما بين رِفْقَتِه

فكن بما قد رُزِقت مقتنعًا

وحُزت رُكن العُلى برمته

ــــــــــــــــــــ

(1) الديوان ص 311.

(2) الديوان ص 86. ... (3) الخريدة - أصفهان 1/ 223.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت