الأحزان، وتشجع الجبان، وتسهل على البخلاء الدخول في جملة الأسخياء، ولو لم يكن في الخمر عيب غير هذا لكفى؛ لأنّ الذي توجبه الخمر من هذا الفعل إنما هو بزوال التميز، ونقصان العقل، فإن جاء في تلك العمرات فعل يشبه أفعال السادات لم يكن فاعله محمودًا، ولا كان ذلك الفعل إليه منسوبًا؛ لأنه يندم عليه، ويعتذر منه بأن عقله لو كان حاضرًا لنهاة عنه، وإن جاء في تلك الحال ما يخرج عن حدِّ الاعتدال، وكان ذلك مما يتعذر تلافيه، ويصعب طريق العذر فيه، كما أنها تشجع الجبناء، وتُسمِّحُ البخلاء، فإنها تسفه الحلماء، وتسخف العقلاء) (1) وقد أحسن الرشيد وطواط حيث يقول (2) :
عصيت الخمر لما صح علمي
بأن الخمر آفة كل طاعة
ولم تر مقلتي في الخمر خيرًا
سوى أن تجمع الأحباب ساعة
فآفات الخمر وجناياتها كثيرة؛ لأنها أم الكائر، وأول آفاتها أنها تثذْهبُ العقل، وأفضل ما في الإنسان عقله، وتحسن القبيح وتقبح الحسن (3) .
وشعر الخمر هذا ـ وإن كان قليلًا ـ، إلا أنه يكشف لنا الجوانب اللاهية من حياة الشعراء، وما ينالونه من لهو في مجالس الشرب، وربما يثصور لنا صورة عكسية لهؤلاء الشاربين، حيث يلجأون إليه هربًا من مشكلات الحياةاو ربما يكون سببا اخر هو السلوك غير القويم الذي يتصف به بعض الشعراء.
ــــــــــــــــــــــ
(1) الزهرة النصف الثاني /253.
(2) الخريدة - خراسان 2/ 207.وينظر: معجم ألقاب الشعراء ص259.
(3) ينظر: نهاية الأرب في فنون الأدب 4/ 83.