الصفحة 108 من 228

الشكوى:

موضوع الشكوى من الموضوعات الشعرية التي تُفصح عن عاطفة الشاعر بوضوح، وتتحسس أحواله وهي تعبير ذاتي عن آلامٍ حاقت بالشاعر من فعل امرئ أو عدو أو دهر (1) ،فيعرض الشاعر في الشكوى واقعه وآلامَ واقعه، فينفجر غضبًا وسخطًا، ويتحرّقُ أسًى، ومرارة لما هو عليه من إهمال وهوان، مع ما لَهُ من مواهب ومعارف، ومطامح، فتقرب الشكوى أحيانًا من الفخر وتُؤلِّفُ مَظهرًا حزينًا من مظاهره، يقربه من الرثاء إذ يندب الشاعر حظه، ويذمُّ زمانه، ويُفلسِفُ وجوده (2) . فقصائد الشكوى في أي عصر زاخرة بالتحرق، والأسى، والصبر على الهوان، وذلك كلّه بتعبير صادق، ولوعةٍ ظاهرة، فالعاطفة تبرق من خلال أبيات الشاعر (3) كقول السعيد الصالحاني (4) :

أشكو إلى الله أحوالًا أمارسُها

والكُلُّ أقضيَةٌ منه وأقدارُ

وأستريح من الشكوى إلى حُرقٍ

منها تسعرُ في أحشائيَ النارُ

وموضوع الشكوى قديم العهد منذ الجاهلية، واشتد أواره في الشعر العباسي، وعمّ بين الشعراء منذ أوائل عصر السلاجقة؛ لتعقد المجتمع والشاعر جزء من المجتمع، فالمتناقضات تقلقهم، والدهر يحاربهم، والحظ يعاكسهم، والمتحكمون ليسوا بذي تفهّم للعلوم والآداب، حيث يسيطرون على مقاليد الأمور، والشاعر الطموح هو الذي يشعر بهذا الجدار القائم بينه وبين ما يرنو إليه، ومن هذا تنبع شكواهم من نفوسٍ متألمة ومتشائمة، ولا سيما حرفة أدبهم التي تمور بين طيّات

ــــــــــــــــــ

(1) ينظر: حول الأدب في العصر السلجوقي ص158.

(2) ينظر: الشعر العربي في العراق وبلاد العجم 2/ 124.

(3) ينظر حول الأدب في العصر السلجوقي ص158.

(4) الخريدة - أصفهان 1/ 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت