ألقيتَ كاسبَهم في قَعرِ مُظلمة *** فاغفرْ عليك سَلامُ الله يا عمرُ) (5)
فأخرجه ونهاه عن هجاء الناس، فقال الحطيئة: إذًا تموت عيالي جوعًا. فاشترى عمر -رضي الله عنه- منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم" (6) وأخذ منه العهد على ذلك، ولكنه نكث وأوغل في الهجاء بعد موت الفاروق."
فياليت شعري مَن يشتري أعراضَ العلماء والدعاة اليوم من هجَّاءٍ قد تخلف"في كهوف القَعَدَة الذين صرفوا وجوههم عن آلام أمتهم وقالوا: هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب"و"كلما مرَّ على ملأ من الدعاة اختار منهم ذبيحًا فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المُرّة، تمرق من فمه مروق السهم من الرَّميّة، ثم يرميه في الطريق ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق فإن ذلك من شعب الإيمان." (7)
بين سَتر العُصاة المُجرمين.. وفَضحِ الدّعاة المُصْلحين..
إنَّ القلب ليحزن وإن النفس لتضيق من إلتزامٍ صوريٍّ يعيشُ صاحبُه ضمن دائرةٍ ضيقة من معاني الإسلام الظاهرة كإعفاء اللحية وتقصيرِ الثوب ونحوها من سنن الهدى، فيدور في فلكها دون أن يخالط الإيمانُ شغافَ قلبه لينعكس خُلقًا كريمًا وسلوكًا رفيعًا.. وإلى مثل هؤلاء وجَّه رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - خطابه فقال:"يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتَّبِعوا عوراتِهم". (8)
وإنك لتعجب من أبي بكرٍ الصّديق حين يقول فيما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه:"لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستره عليه"، ولعلَّ ابن هبيرة قد فقِهَ قول الصِّديق فأسرَّها إليك أن"اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلام و أولى الأمور ستر العيوب". (9)
إن قلبًا كبيرًا رحيمًا كقلب الصدّيق -رضي الله عنه- قد وسع العصاة المجرمين ليسترهم، وأولئك ضاقت نفوسهم عن نجاحات إخوانهم فأبت إلا أن تتتبعَ عوراتهم لتفضحهم، فيالله العجب!