وعلى قول إمام الحرمين هذا، وعلى ادعائه إجماع المحققين، بنى لبن الصلاح (643هـ) دعواه بوجوب تقليد الأئمة الأربعة لانضباط مذاهبهم وتدوينها، وتحرير شروطها، ونحو ذلك مما لم يتوفر لمذاهب سواهم من الصحابة والتابعين (164) وتناقله عنه - بعد ذلك - المتأخرون (165) . ومن هنا بدأ إهمال الناس للكتاب الكريم وعلومه، وإعراضهم عن السنة وفنونها، وقنعوا من العم بنقل الأقوال والمذاهب وتقعيدها وتأصيلها والجدال عنها، والتفريع عليها، والتخريج منها في أحسن الأحوال.
واستمر الانحدار واشتد الخلاف وتعمق ونشأت بعد ذلك قرون على التقليد المحض، فركدت حركة الفكر، وذوت شجرة الاجتهاد، وانتشرت الفتن وعم الجهل، وأصبح الفقيه العالم - في نظر الناس - هو ذلك الذي حفظ جملة من أقوال الفقهاء وتزود بعدد من الآراء، دون تمييز بين قويها وضعيفها، وصار المحدث من حفظ جملة من الأحاديث. صحيحها وسقيمها.
وليت الأمر توقف عند هذه الحدود، فقد نزل الحال عن هذا الدرك الهابط إلى ما هو أشد هبوطًا منه، كأن شمس العلوم غابت عن دنيا المسلمين وعقم الفكر، فراجت سوق البدع، ونفقت بضاعة الانحراف، وشاعت الخرافات فاتخذت أشكالًا مختلفة، مما أفسح أمام الغزاة الطريق ليكتسحوا الحضارة الإسلامية ويستبيحوا ديار الإسلام.
حالة الأمة في الأحقاب الأخيرة:
كانت تلك حالة الأمة التي غفت في أحضان التقليد، ونامت على أحلام ماض مجيد، فمنذ وقوع الفصام النكد بين أولي الأمر ومصادر التشريع لهذه الأمة والناس حيارى تتقاذفهم الأهواء، وعلماء الأمة في شغل عنهم، كل بما يشغله ويرى أنه الأسلم، حتى إن من يطلع على تراث الأمة يكاد لا يصدق أن هذا الخلف الجامد المتحجر من ذلك السلف الحي المستنير؛ ولما قامت النهضة الأوروبية الحديثة، والأمة على تلك الحال، وجد الأوروبيون أمامهم أمة لم يبق من مقوماتها الحقيقية شيء يذكر: