فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 1019

وقد يكون هذا القول قد سُبق إليه، وقال به غيره من قبل، وعلى فرض أنه ما قال به أحد قبله، فقد يحدث أنه لم ينقل مع كونه قد قيل من قبل.

وحتى لو فُرض أنه لم يُسبق إليه، فهو لا يرى أن هذا من الحق الذي يجب أن تعلمه الأمة في كل زمان ومكان؛ بل يرى أن هذا من الأشياء الاجتهادية التي قد يقول بها إنسان، وربما تحتاجها الأمة أو لا تحتاجها، فليس فرضًا أن تعلمه الأمة في كل حين وكل زمن وكل مكان، أو أن يقول به من قال به، وقد يرى أن المسألة ما نقل فيها قول -أصلًا-.

والإلزام -بأن تلزم إنسانًا بمقتضى كلامه- من المشكلات؛ لأن اللازم يصلح في كلام الله تعالى، فتقول: الآية يلزم منها كذا، واللازم يعتبر دليلًا من أنواع الدلالات، وكما يقول علماء الأصول: الدلالات ثلاث: دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الإلزام، يعني: يلزم من هذا النص كذا وكذا.

فهذا يصح في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، أما كلام الناس فلا إلزام فيه بشيء ما، تقول: يلزم من كلامه كذا وكذا، رغم أنه ما خطر في باله هذا اللازم، ولا فكَّر فيه يومًا من الأيام، وقد لا يوافقك على أنه لازم، ولو وافقك على أنه لازم قد لا يُقر به، فلماذا تلزم الناس بشيء لم يلتزموا به؟

ولذلك من باطل اللوازم أن أبا نواس الشاعر الماجن المشهور حاول أن يستخدم هذا الإلزام بطريقة ماجنة، فكان أهل العراق الأحناف يقولون بجواز النبيذ، وأهل الحجاز يقولون بتحريمه مثل الخمر، فيقولون النبيذ والخمر سواء، فكان هذا الشاعر الماجن الخبيث يقول:

أباح العراقي النبيذ وشربه *** وقال: الحرامان المدامة والسكر

وقال الحجازي الشرابان واحد *** فحل لنا من بين قوليهما الخمر

سآخذ من قوليهما طرفيهما *** وأشربها لا فارق الوازر الوزر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت