وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر للنبي - - صلى الله عليه وسلم - -، فلم يعنف واحدًا منهم (9) . وظاهر من هذا الحديث الشريف أن الصحابة - رضوان الله عليهم - انقسموا إلى فريقين في موقفهم من أداء صلاة العصر: فريق أخذ بظاهر اللفظ (كما يقول المناطقة) أو بما يسميه أصوليو الحنفية ب"عبارة النص". وفريق استنبط من النص معنى خصَّصه به.
وتصويب رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - للفريقين دليل على مشروعية كل من المذهبين.
فالمسلم إذن: له أن يأخذ بظاهر النص، وله أن يستنبط من المعاني ما يحتمله النص، ويمكن التدليل عليه، ولا لوم على من بذل جهده، وكان مؤهلًا لهذا النوع من الجهد. فالفريق الثاني من الصحابة - رضوان الله عليهم - فهموا أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - إنما أراد أن يأمرهم بالمبالغة في الإسراع، ولذلك اعتبروا أن أداءهم الصلاة قبل الوصول إلى بني قريظة لا ينافي أمر رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - بالصلاة في بني قريظة، ما دامت الصلاة لن تؤخرهم عن الوصول. ومن الطريف أن ابن القيم - رحمه الله - أورد اختلاف الفقهاء في تصويب أن من الفريقين، وبيان الأفضل من فعل كل منهما، فمن قائل: إن الأفضل فعل من صلى في الطريق فحاز قصب السبق في أداء الصلاة في وقتها وتلبية أمر رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -: ومن قائل: إن الأفضل فعل من أخرها ليصليها في بني قريظة... (10) .
قلت: وما دام رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - لم يعنف واحدًا منهما، فكان على الفقهاء - رحمهم الله - أن يسعهم ذلك من سنة رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -، وألا يخوضوا في أمر قد تولى - عليه الصلاة و السلام - حسمه والانتهاء منه.