فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 1019

هذا هو الحوار كما يعرفه ويدعو إليه كل العقلاء من المفكرين من أهل الأديان وغير الأديان. لكن بعض الناس في بلادنا يتصور الحوار على غير هذه الصورة العقلانية المثمرة. يراه بعضهم مداهنة، والله - تعالى - يقول: (ودوا لو تدهن فيدهنون) [القلم: 9] وكلمة يدهن كلمة معبرة جدًا في تصوير هذا الموقف؛ لأنها مأخوذة من الدهن، فهي عكس الثبات والاستمساك. يظنون بل يعتقدون أن من شرط الحوار مع الآخر أن تعترف بأنه على حق أيضًا. قال لي أحدهم هذا فقلت له: لِمَ أحاوره إذن؟ ألكي أزحزحه عن الحق وأجره إلى الباطل؟ إنك لا تحاور إنسانًا إلا إذا كنت معه مختلفًا. هذا هو الأمر الطبيعي حتى بين المنتسبين إلى الدين الواحد. قال - تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا) [النساء: 59] .

فالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله - - صلى الله عليه وسلم - - إنما يكون في حال التنازع؛ أما في إذا لم يتنازعوا فلا يحتاجون إلى هذا الرد، بل إن عدم تنازع علماء المسلمين دليل على أنهم على حق. ولذلك استدل العلماء بهذه الآية الكريمة على حجية الإجماع.

ومن أشكال المداهنة أيضًا اللجوء إلى دعوى نسبية الحق. فخصمك المخالف لك على حق من وجهة نظره، وأنت على حق من وجهة نظرك؛ فلا داعي لأن تخطئه أو تجهّله. هذه دعوى باطلة، وهي فوق ذلك مضرة بالمجتمع غاية الضرر. ثم هي بعد ذلك مما لا يمكن لأحد أن يلتزم به. سمعت أحدهم قريبًا في ندوة تلفازية يقول إنه إذا قال لي أحد: أريد أن أبين الحق، أقول له: لا داعي للحوار إذن. هيأت نفسي للاتصال لأقول له: لكنك أنت الآن بقولك هذا تريد أن تبين لنا ما تراه حقًا بالنسبة للحوار؛ وإلا فلماذا قلت ما قلت؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت