فامتثل النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ربه، فدعا عشيرته الأقربين، وثنى بسائر العالمين، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: «أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار؛ يدعوهم إلى الله تعالى. وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - » (1) . وكان نص كتابه - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل ما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم اليريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله؛ فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» (2) .
وعلى هذا الصراط المستقيم سار صحابته الكرام، والتابعون لهم بإحسان، وهم يفتحون القلوب قبل الحصون، ويُدخلون الناس في دين الله أفواجًا، وعلى خطاهم سار الموفقون من سلف هذه الأمة عبر القرون المتطاولة، لا يعرفون غير الدعوة إلى الله بالحجة والبيان، فإن لم؛ فبالسيف والسنان، {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ، لا يعرفون شيئًا من الطرائق المحدثة من تقريب أو تلفيق أو توفيق.
فلما استدار الزمان، وتحلحلت عرى الإيمان، وآل حال أهل الإسلام إلى ضرب من الضعة والانكسار في القرون الأخيرة؛ طمع فيهم عدوهم، واستهوى رقاق الدين منهم إلى مدارج من الفتنة والاستزلال ـ والتي حذر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - منها والمؤمنين ـ فاستشرفوها فاستشرفتهم، فلم يزل أمرهم في سفال، فلا هم أرضوا ربهم، ولا هم نالوا من مخالفهم بعض ما منَّاهم به.