... و قد كانت هذه الفترة مرحلة زمنية سادت فيها النظرة الاقتصادية الكلاسيكية التي كانت تذهب إلى أن النقود ليست إلا حجابا يخفي خلفه تبادلا حقيقيا بين السلع و الخدمات وأنها ما هي إلا وسيلة لتسهيل عملية التبادل هذا في السوق، و أنها لا تطلب لذاتها كخزين لقيمة شرائية يمكن الحفاظ بها لفترة من الزمن قد تطول أو تقصر.
... أن البنوك تعمل فقط كوسيلة بين المدخرين (المودعين) و المستثمرين (المفترضين) وأنها بتوسطها هذا تعمل على تسهيل انتقال وسائل الدفع من الأولين ذوي الفوائض المالية الناتجة عن دخول لا ينفقون جزء منها على السلع و الخدمات الاستهلاكية، إلى الآخرين الذين يستثمرونها في أوجه إنتاجية، متعدين في إنفاقهم الاستثماري هذا ما يحصلون عليه من دخول، و قد أنكرت المدرسة الكلاسيكية على البنوك قدرتها على إصدار قوة شرائية جديدة يمكن وضعها تحت تصرف المنظمين و المستثمرين الذين لا تتيسر لديهم الأموال اللازمة من مواردهم الخاصة (2) .
... و لم تستمر هذه الفترة طويلا حيث ظهر تأثير آراء (شومبيتر) على بعض اقتصادي أوروبا بعدئذ، فظهر نظريون نقديون في ألمانيا ركزوا انتباههم على الوظائف الأساسية للبنوك ودورها، ليس فقط في تكوين رأس المال، وإنما أيضا في توليد الدورات التجارية و كان من بين هؤلاء (البرت هان) Albert Hahmالذي نشر بالألمانية كتابه (نظرية الائتمان المصرفي) عام 1920 مؤكدا فيه ـ متابعا بذلك (شومبيتر) ـ"أن الأساس الضروري لنظرية الدورات التجارية هو إدراك طبيعة و وظائف الائتمان في العملية الاقتصادية" (3) و أن الودائع المشتقة، وليست الودائع الرئيسية، هي الظاهرة الأساسية في العملية المصرفية، فليست البنوك مجرد مؤسسات لاقتراض النقود و من ثم إقراضها، و إنما هي تتعامل بالائتمان بالمعنى الحرفي (الثقة) و بذلك تصبح الفائدة
مقابلا لتلك (الثقة) بعدما كانت ثمنا للادخال.