إن اشترط الدائن أو الدافع في السفتجة على محررها أن يوفي المبلغ بعملة أخرى غير جائز (1) ، والسبب في هذا كله أن للصرف عند اختلاف النقدين جنسًا شرطًا ؛ وهو التقابض في مجلس العقد، هذا في النقود المعدنية (الذهب والفضة) ، كما هو معروف عند الفقهاء، وكذلك في النقود الورقية في هذا العصر، على اعتبار أن كل عملة جنس مستقل بنفسه، يجوز المصارفة بينها وبين غيرها من عملات الدول الأخرى (2)
(1) انظر ص 152 من هذه الرسالة.
(2) الأوراق النقدية في صورتها الحالية لم تكن معروفة لدى الفقهاء القدامى، ولم تذكر في مصنفاتهم، ولمّا انتشرت هذه النقود في البلاد الإسلامية، وجرى التعامل بها، بحثها العلماء المعاصرون، واختلفوا في حكم التعامل بها ؛ كالتالي:
فمنهم من اعتبرها سندات دين في ذمة مُصدرها، وليست أموالًا ولا أثمانًا، وعلى ذلك فالذي يدفع لغيره ورقة من هذه الأوراق، لا يدفع إليه مالًا، إنما يحيله على مديون له، وهو الذي أصدر تلك الورقة (الحكومة) ، فإن غطاء هذه الأوراق ذهب أو فضة، وبالتالي فلا يجوز أن يشترى بها ذهبًا أو فضة أصلًا ؛ لأن مبادلة الذهب أو الفضة بأحدهما صرف، ويشترط في الصرف التقابض في المجلس، والقبض على هذه الأوراق لا يعتبر قبضًا على غطائها من الذهب والفضة، فانعدم التقابض الذي هو شرط جواز الصرف، فلا تصح العملية، ومستند هذا الرأي أن غطاء هذه الأوراق من الذهب والفضة، وحامل الورقة يستطيع متى شاء تحويلها إلى ذهب أو فضة.
ولكن مع تطور النقود الورقية وانتشارها لم يبقَ وراءها شيء من الذهب والفضة، ولا يمكن تحويلها إلى أحدهما، وبالتالي فلم يعد لهذا الرأي قيمة عملية.
ومنهم من نظر إلى هذه النقود على أنها عرض من عروض التجارة، وعليه فلا ينطبق عليها أحكام الصرف ؛ لأن العقد لم يقع على ذهب أو فضة، لا حقيقة ولا صورة، إنما وقع على قصاصات من الورق.
ولكن الأخذ بهذا الرأي يفتح باب الربا على مصراعيه، ويؤدِّي إلى هدم ركن الزكاة.
ومنهم من نظر إلى هذه الأوراق على أنها بدل لما استُعيضَ عنه، وهما الذهب والفضة، وللبدل حكم المبدل عنه مطلقًا، فما كان منها متفرعًا من الذهب فله حكم الذهب، وما كان منها متفرعًا عن الفضة فله حكم الفضة، ويترتب على هذا القول جريان الربا بنوعيه في الأوراق النقدية، كما يترتب وجوب الزكاة.
ولكن هذا الرأي أصبح مخالفًا للواقع بعد أن أصبح غطاء الأوراق النقدية لا يقتصر على الذهب والفضة، بل قد يكون عقارًا أو عملة أخرى أو أوراقًا مالية من أسهم وسندات.
وأخيرًا قررت المجامع الفقهية المعاصرة، وهيئة كبار العلماء، أن الأوراق النقدية تعتبر نقدًا قائمًا بذاته، قام مقام الذهب والفضة ؛ لاختفاء التعامل بهما، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وبالتالي فهي تأخذ حكم النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة من زكاة وكفارة وغير ذلك.
كما قررت أن هذه الأوراق أجناس مختلفة، تتعدد بتعدد وجهات الإصدار في مختلف البلاد، فالنقد السعودي جنس مستقل، والنقد الأردني جنس، والنقد الأمريكي جنس، وبناء عليه لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض، أو بغيره من الأجناس النقدية نسيئة، كما لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلًا، سواء كان القبض حالًا أو مؤجلًا، ويجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا إذا كان يدًا بيد.
انظر الدورة الثالثة لمجلة مجمع الفقه الإسلامي 1/1685 ـ 1895، الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية: المترك ص 319 ـ 342، أحكام صرف النقود والعملات في الفقه الإسلامي: عباس أحمد الباز ص 153 ـ 165، النقود واستبدال العملات: علي السالوس ص 25 فما بعدها.