ان الاعتماد على وظيفة هذا المعنى المقدر ضمن السياق الخاص به لكل من المحذوف والمقتضى وكيف يمنحنا السياق الدليل على تقدير هذا المحذوف جعل السرخسي يقف على العلامة الفارقة بينهما فيرى (ان المقتضى تبع يصح باعتباره المقتضي اذا صار كالمصرح به والمحذوف ليس بتبع بل عند التصريح به ينتقل الحكم اليه لا ان يثبت ما هو المنصوص، ولاشك ان ما ينقل غير ما يصحح المنصوص. وبيان هذا ان في قوله اعتق عبدك عني محذوفا ويثبت التمليك بطريق الاقتضاء ليصح المنصوص، وفي قوله(واسال القرية) الاهل محذوف للاختصار فان فيما بقي من الكلام دليل عليه عند التصريح بهذا المحذوف بتحول السؤال عن القرية الى الاهل لا ان يتحقق به المنصوص) [1] .
ان ما يقوم به السرخسي بعد ان اشار الى ان لكل منهما سياقه الخاص به هو تحليله لسياق كل منهما ادراكا منه الى ان دراسة معاني الكلمات يتطلب تحليلا للسياقات والمواقف التي يرد فيها (فالمقتضى ما يصح به المقتضي ولا يلغى عند ظهوره) [2] أي ان المقدر في المقتضى لو ذكرناه في الكلام لمل تغير مجراه في اعرابه واسناده، اما المحذوف فان ذكره في الكلام سيغير من اسناد الجملة كما يغير الاعراب فالفعل (اسأل) مسند الى القرية وهي مفعول به منصوب وعند تقدير كلمة (اهل) اصبح الكلام، واسأل اهل القرية فهنا تغير اعراب القرية ومحله، فاصبح مضافا اليه، وهنا يبدو الدور الذي يؤديه الاهتمام بالعلاقات الرابطة للالفاظ داخل النص كقرائن سياقية في بيان السرخسي، كوظيفة المقدر عند ظهوره في كل من المقتضى والمحذوف، فوظيفته في الاول تأدية الغرض الشرعي لكنه لايلغي دوره اللغوي في استكمال معنى المنظوم ليكون مفيدا اما في الثاني فوظيفته لغوية تهتم ببنية تركيب الكلام وقوانينه اللغوية فقط اذ ان ظهوره يغير من العلاقات اللغوية بين
(1) اصول السرخسي:1/ 251 - 252.
(2) فتح الغفار - ابن نجيم:2/ 47، اصول البزدوي مع كشف الاسرار: 2/ 244.