ثانيًا: مناقشة مضمون القانون وبيان خطئه وتناقضه:
وهذا تابع للوجه السابق ومكمل له، إلا أنه لما لم يتعلق بنفس صياغة القانون وترتيب قضاياه بعضها على بعض كما هو واضح في الوجه السابق - أفرد هنا لأنه يناقش دلالات هذا القانون ويبين ما فيه من خطأ وتناقض وقد فصل شيخ الإسلام ذلك من خلال ما يلي:
أ - يقال لهم:"العقل إما أن يكون عالمًا بصدق الرسول، وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، وإما أن لا يكون كذلك."
فإن لم يكن عالمًا امتنع التعارض عنده إذا كان المعقول معلومًا له، لأن المعلوم لا يعارضه المجهول، وإن لم يكن المعقول معلوماُ له لم يتعارض مجهولان.
وإن كان عالمًا بصدق الرسول امتنع مع هذا أن لا يعلم ثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، غايته أن يقول: هذا لم يخبر به، والكلام ليس هو فيما لم يخبر به، بل إذا علم أن الرسول أخبر بكذا فهل يمكنه - مع علمه بصدقه فيما أخبر وعلمه أنه أخبر بكذا - أن يدفع عن نفسه علمه بثبوت المخبر، أم يكون علمه بثبوت مخبره لازمًا له لزومًا ضروريًا، كما تلزم سائر العلوم لزومًا ضروريًا لمقدماتها" [1] ، وهذا القانون يؤدي إلى التناقض لأنه يقول: لا تعتقد بثبوت ما علمت أنه أخبر به لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت به أنه صادق، فكأن يقول له: لا تصدقه في هذا الخبر لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه."فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علموا أنه أخبر به، بعد علمه أنه رسول الله؛ لئلا يفضي تصديقهم له إلى عدم تصديقهم لهم، بل إذا قيل له: لا تصدقه في هذا، كان هذا أمرًا له بما يناقض ما علم به صدقه، فكان أمرًا له بما يوجب أن لا يثق بشيء من خبره، فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في خبر جوز في غيره" [2] ، وفعلًا فقد آل ببعضهم إلى أن لا يستفيدوا من جهة الرسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله وأفعاله."
(1) درء التعارض (1/134) .
(2) المصدر السابق (1/135) .