سبقت الإشارة إلى أن هذا من أصول منهجه العام [1] ، وهذا الأصل المنهجي الذي أصله شيخ الإسلام دفاعًا عن عقيدة السلف، يعبر عنه أحيانًا بعبارة أدق وأعمق وهي: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وميزتها أنها قيدت العقل بكونه صريحًا، والنقل بكونه صحيحًا، فهذان لا يمكن تعارضهما في أي حال.
وهذا الأصل جاء ردًا على القانون الذي ابتدعه أهل الكلام، وعلى رأسهم الأشاعرة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام على تطور المذهب الأشعري [2] ، وقد جاء واضحًا جدًا عند الفخر الرازي الذي يقول:"الفصل الثاني والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية، فكيف يكون الحال فيها؟ أعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة."
-إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقضين، وهو محال.
-وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقضين، وهو محال.
-وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظهور المعجزات على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - ولو جاورنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا وأنه باطل.
(1) انظر: (ص: 319) .
(2) انظر: (ص: 629-630) ، وانظر: الإرشاد (ص: 358-360) ، وقانون التأويل للغزالي وقانون التأويل لابن العربي (ص: 452-576-646) .