وهذا القانون غالبًا ما يأتي به الأشاعرة في موضعين: أحدهما: نفي العلو عن الله تعالى، والثاني: نفي الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله تعالى كالاستواء والنزول والمجيء، وكلام الله إذا شاء متى شاء، وغيرها، وأيضًا نفي الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرها، وقد بنوا هذا المانع العقلي - المعارض للنصوص - على دليل حدوث الأجسام، فإنهم قالوا إنه لا يمكن إثبات الصانع وحدوث العالم إلا بطريق حدوث الأجسام، وحدوث الأجسيام دليله أنها مستلزمة للأعراض، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث - قالوا: والقابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده، والأعراض لا تبقى زمانين، فيلزم أن تكون الأجسام حادثة بناءً على امتناع حوادث لا أول لها.
والنتيجة أن كل ما دل على التجسيم كإثبات العلو، أو الصفات الفعلية، أو الخبرية [1] - فيجب نفيه أو تأويله حتى يسلم دليل حدوث العالم، لأن إثبات هذه الصفات لله يقتضي أن يكون الله حادثًا، وهو باطل.
ثم قال هؤلاء:"إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول، وقالوا: إنه لا يمكن تصديق الرسول - لو قدر أنه يخبر بذلك - لأن صدقه لا يعلم إلا بعد أن يثبت العلم بالصانع، ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول بحدوث الأجسام" [2] .
فـ"هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها" [3] .
(1) يلاحظ أهذا الدليل - دليل حدوث الأجسام - جاء به المعتزلة قبل الأشاعرة، ولذلك نفوا لأجله جميع الصفات عن الله تعالى، الصفات السبع وغيرها، وقالوا هي أعراض والأعراض لا تبقى زمانين وهي لا تقوم إلا بجسم.=
=أما الأشاعرة فنفوا صفات الأفعال ونفوا أن تقوم بالله، أما سائر الصفات فأثبتوها وقالوا لا نسميها أعراضًا لأنها باقية، والأعراض لا تبقى، فجاء متأخرو الأشعرية فنفوا كل ما اقتضى تجسيمًا أو تركيبًا أو تحيزًا، مما هو من صفات الأجسام، فنفوا العلو والصفات الخبرية أيضًا.
(2) درء التعارض (1/306) .
(3) المصدر السابق (1/308) .