سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق، ثم قال: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت:53) ، أي بإخبار الله ربك في القرآن وشهادته بذلك فنقول: من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم، فإن المنازع لهم لابد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقًا أخرى، مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة، والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق، ونحو ذلك، ونحو ذلك، وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها، فهم أكمل الناس عقلًا، وأعدلهم قياسًا، وأصوبهم رأيًا، وأسدهم كلامًا، وأصحهم نظرًا، وأهداهم استدلالًا، وأقومهم جدلًا، وأتمهمن فراسةً، وأصدقهم إلهامًا، وأحدّهم بصرًا ومكاشفةً، وأصوبهم سمعًا ومخاطبةً، وأعظمهم وأحسنهم وجدًا وذوقًا، وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل، فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلًا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم
كذلك ممتعين؛ وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً} (محمد:17) ، وقال: {فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا* وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا* وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} (النساء: 66-68) [1] ، ثم بين شيخ الإسلام أن ذلك يعلم بعدة أمور:
-تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم حيث يتبين أن الحق معهم.
-وتارة بإقرار واعتراف مخالفيهم: إما برجوعهم إلى مذهب السلف أو بشهادتهم على مخالفي مذهب السلف بالضلال.
-وتارة بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض.
-وتارة باعتصام كل طائفة بهم فيما خالفت فيه الطائفة الأخرى [2] .
(1) نقض المنطق (ص:7-8) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص:8) وما بعدها.