فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 564

وأختم هذه النماذج بمثال خامس وأخير، يتعلّق بحكم الفوائد الرِّبوية من المصارف الأجنبية ذات الفروع في البلاد العربية، فقد أجاب عن هذه المسألة بجواب مُقنِع مفصَّل، وبعد أن نقل رأي الإمام أبي حنيفة وصاحبه محمد في التعامل بالرِّبا فيمن يدخل من المسلمين إلى دار الحرب يقول:"هذا وإني لا أرى أن رأي الإمامين أبي حنيفة وصاحبه محمد المذكور يقتضي أن يباح اليوم للمسلمين.. أن يتعاملوا مع البنوك الأجنبية، ويودعوا لديها أموالهم بالفوائد الربوية، ذلك لاختلاف الظروف والوسائل اليوم عما كانت عليه إذ ذاك. ففي عهد أبي حنيفة كان التعامل مع أهل دار الحرب يستلزم الذَّهاب إلى ديارهم، وفي ذلك ما فيه من الصعوبات والمشاقِّ، فيبقَى الأمر محصورًا في نطاق فردي ضئيل ومحدود. أما اليوم، وبالوسائل العصريّة في المواصلات اللاسلكية، فيستطيع أيُّ تاجر أن يتعامَل مع من شاء من أهل الأرض في دقائقَ معدوداتٍ بأي مبلغ شاء، ويقوم بتحويل ما يشاء من الأموال إلى أي مَصْرِف أو مَتْجَر."

فرأي أبي حنيفة الذي كان مبنيًّا على ظروف زمان المذكورة لو طُبِّقَ اليوم في ظروفنا، لأدَّى إلى انتقال رؤوس الأموال الإسلامية إلى البلاد الأجنبية ليستثمرَها الأجانب، وتبقَى بلاد المودِعين الإسلامية، في فاقةٍ وضعف اقتصادي. وأنا أرى ذلك جائزًا بالنظر الإسلامي، ولا سيّما بعد قيام المصارِف الإسلامية في طول البلاد وعرضها، حتى أنّه قامتْ في بعض البلاد الأجنبية أيضًا. ولو أن أبا حنيفة رحمه الله كان اليوم حيًّا لما أباح هذا التّعامل في هذا العصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت